أود أن أبدأ بالحديث عن الشعب الفلسطيني وعذاباته، التي لا تشكل مصدر ذهول بالنسبة إليّ، فأنا أجيد العربية وقد أمضيت سبع سنوات في المنطقة، حيث عملت مديراً لمكتب صحيفة «نيويورك تايمز» للشرق الأوسط. وكنت موجوداً معظم الوقت في غزة، خلال تعرضها لهجوم الطائرات الإسرائيلية المقاتلة.

الشعب الفلسطيني الفقير، المحاصر الذي لا يملك جيشاً، أو قوات بحرية أو جوية، أو وحدات آلية، أو طائرات تجسس، أو مدفعية، الذي تغيب عنه كل أشكال القيادة والسيطرة، لا يمكن أن يشكل تهديداً لإسرائيل.

عدم التمييز الإسرائيلي في استخدام الأسلحة المتطورة لقتل مئات الأبرياء، وجرح الآلاف وتهجير العائلات، لا يسمى حرباً. إنه إرهاب وجريمة برعاية حكومية.

والفشل المذل للطبقة السياسية الأميركية في إدراك هذا الواقع الجلي، يعكس الوجه المبتذل المريع للنظام السياسي الأميركي، والتخلي المعيب عن الشعب الأكثر استضعافاً على وجه الأرض لفتات المساهمات المالية، التي شكلت بديلاً للأصوات الناخبة.

لا يشكل رفض الحديث عن الفلسطينيين مسألة عرضية في حياتنا السياسية، بل إنه يفضح خضوع الطبقة السياسية الأميركية لمجموعات الضغط الثرية وسلطة الشركات.

حين يبرز الاستعداد للتضحية بالأكثر استضعافاً لصالح النفعية السياسية، يسهل، على حدّ توضيح الرئيس الأميركي باراك أوباما والحزب الديمقراطي، التضحية بكل المستضعفين من فقراء أميركا والطبقة المتوسطة فيها.

السياسة، إذا نظرنا إليها بمعنى تحديد ومناقشة القضايا والمخاوف والقوانين التي تعزز الصالح العام، نلاحظ أنها لم تعد من شأن المؤسسات السياسية الأميركية التقليدية، التي تبتعد بشقيها الأساسيين؛ المحاكم والإعلام، عن الديمقراطية. لقد آلت السياسة بمفهومها الحالي إلى «استبداد ديمقراطي» وفق تعبير أليكسيس دي توكفيل.

ينخرط النقاد ومشاهير النشرات الإخبارية في مناظرات أبعد ما تكون عن السياسة، إنها ثرثرة. واستطلاعات الرأي، التي تشكل دعامة التقارير السياسية، ليست بسياسة، بل أحد أشكال السيطرة الاجتماعية.

توظيف مليارات الدولارات لتمويل الحملات الانتخابية، ودفع جماعات الضغط نحو تشريع قانون ما ليس بسياسة، بل رشوة مشرعة. الإصرار على احتلال مسألتي التقشف والعقلانية الاقتصادية، بدلاً من رفاه المواطن، اهتمامات الحكومة الأولية، ليس بسياسة، بل موت المناقبية المدنية.

النظام الحكومي في ممارسة الرقابة الشاملة، وعسكرة قوات الشرطة، وهوس شن الحروب الدائمة وترهيب الدولة من الإرهاب، ليس بسياسة، بل مسار نحو استئصال الحريات المدنية، وتبرير الحرب الدائمة والعنف الذي تمارسه الدولة، أما اللغو الحاصل بشأن لوائح الموت، والأسلحة، والأولاد غير الشرعيين العابرين للحدود، فليس بسياسة، بل هو تلاعب من النخب الموجودة في السلطة بالمشاعر، حيث الكراهية والخوف يحوّل الاهتمام عن رؤية مدى عجزنا.

يحق للشعب الفلسطيني أن يعيش حراً، لكن لا يمكن التعويل في ذلك على الخطب الأميركية.

ينبغي النظر إلى الداخل، فأميركا من العجز بحيث إنها تعاني شبه دخول المؤسسات حالة من الانقلاب على الموجة البطيئة. وعلينا إذا ما أردنا استرجاع قوتنا ألا نقبل بالكليشيهات الفارغة، وأن نتحرك لعلنا نستطيع، حين نحرر أنفسنا، أن نحرر غزة.

مأساة لاإنسانية

لقد شهدت في ركام الجثث، والسجن القائم في العراء، الذي نسميه قطاع غزة، وجود 1.8 مليون فلسطيني، نصفهم من الأطفال تقريباً يعيشون داخل قضبان الفيتو الإسرائيلي.

وعاينت جرائم الاحتلال، ونقص الطعام، والاكتظاظ الخانق، وتلوث المياه، وغياب الخدمات الصحية، والفقر المدقع، والبطالة المتوطنة، والخوف واليأس. وبينما أشهد كمّ المعاناة الإنسانية، تنبري نخب السلطة في كل من القدس وواشنطن، وتطلق أكاذيب تبرر إرهاب إسرائيل.