يتمحور مخطط الرئيس الأميركي باراك أوباما ضد «داعش»، بتشكيل تحالف مفوض لشن حرب على التنظيم، في إطار جهد يتوزع على أربعة مسارات، حيث تقوم بحصة القتال الأكبر فيه كل من القوات العراقية المحلية، والأكراد، والقوات السورية.
وتتّحد المسارات الأربعة، بمرور الوقت، لإضعاف قدرات «داعش»، وتجريده من المكتسبات التي حققها في شمال وغرب العراق، ومن ثم القضاء عليه كتهديد محتمل للنظام الإقليمي.
وينطوي المسار الأول للجهود على استخدام القوة الجوية للولايات المتحدة وحلفائها ضد قوات «داعش» في كل من العراق وسوريا. أما المسار الثاني، فيمثل وجود تحالف بقيادة الولايات المتحدة يضاعف الدعم المباشر للقوات المحلية المنخرطة في القتال حالياً على الأرض.
ويقترح أوباما ضمن مسار الجهود الثالث، مضاعفة الجهود للحدّ من هجمات «داعش» الوحشية، داخل العراق وسوريا وخارجهما على الأرجح، وذلك من خلال تحسين المستوى الاستخباراتي، ومنع انضمام المقاتلين ووقف الدعم المادي عنه، ومجابهة رسائل التشدد للتنظيم بأخرى توعوية. وأخيراً، عزم أوباما على مواصلة الدعم الإنساني لقوات التحالف بقيادة أميركا.
استراتيجية محفوفة بالمخاطر
وفي ما يتعلق بالمخاطر الأساسية المرتبطة بمقاربة أوباما، فيمكن القول إنه إذا احتُسبت تلك المخاطر من منظور احتمال الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، فإن مسار العمل الذي تنتهجه الإدارة الأميركية ينطوي على مخاطر كبرى من دون شك.
وبغض النظر عن الاستراتيجية المتبعة، فإن «القضاء» على تحدٍّ إقليمي عضوي مثل «داعش»، يجسّد مهمة صعبة وباهظة التكلفة، لا سيما أن استراتيجية أوباما تنطوي على ثلاث نقاط ضعف، ينبغي على الولايات المتحدة وضعها في الحسبان.
أولاً، على الرغم من أن توظيف الجهود ظاهرياً تحت عباءة دعم مجموعة التحالف بقيادة أميركا، فإن نجاحها مرهون بتراصف المصالح والأساليب المتنافسة لمجموعة متنوعة وغير موثوقة على الأرجح من اللاعبين من الدول وأشباه الدول وغير الخاضعين للدول.
وينبغي على الدولة التي تشكل الشريك الأساسي في عملية المواجهة، والمتمثلة بالحكومة العراقية المركزية الضعيفة، أن تبدي إرادة في تنظيم العمل الوطني الجماعي عبر توحيد مختلف المجتمعات الطائفية، أو أن تظهر شجاعة تكتيكية متناسقة في مقاتلة تنظيم «داعش» على الأرض.
أما بالنسبة إلى أشباه الدول وغير الخاضعين للدولة من أكراد وسنة العراق والمعارضة السورية، فهؤلاء على طرف خلاف مع الأهداف الاستراتيجية الكبرى للحكومة ذات الغالبية الشيعية.
ثانياً، يرجح ظهور أسوأ أنواع القتال غير المنتظم للقرن الحادي والعشرين مع تقدم الحملة القتالية ضد «داعش». فالعراق وسوريا رهينتا بوتقة السلوك الطائفي الأخطر من نوعه، وهو وضع مهيأ للاستفحال.
ومن المحتمل أن تلجأ جميع أطراف النزاع، في مرحلةٍ ما إلى اعتماد أساليب «مناهضة» للقيم الأميركية ومسيئة بحق مرحلة سلام ما بعد الحرب الدائمة والأوسع نطاقاً.
إجراءات احترازية
أخيراً، وفي ضوء ذكريات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الحية في وجدان الأميركيين، فإن أي كارثة متشددة الطابع ذات تأثير مباشر في الأميركيين أو المصالح الأميركية قد يراها البعض تقصيراً أو فشلاً يستدعي ردوداً أميركية صاعقة. من الواضح أن عدم الإقدام على أي فعل يشكّل أضراراً تفوق التصرف المشوب بالأخطاء.
إلا أن الإدراك المبكر باستبعاد إمكانية أن يفضي المسار المتبع إلى وضع نهاية حاسمة للفوضى المتوطنة في المنطقة، قد يقوي القيادة الأميركية في إدارتها للصراع إلى أجل غير محدد. ويشكل وضع حدٍّ لتقدم «داعش» ووقف زحف الصراع إلى دول أخرى مكسباً في هذه المرحلة.
الفشل ممنوع
في حين أن تقييد «داعش» وحصر جهوده ومصادره في إطار التركيز على البقاء، بدلاً من القيام بأعمال عنف، يوفر بالحد الأدنى الوقت والمساحة للعراقيين كي ينظموا شؤونهم، وقد يضخ دماً جديداً في صفوف المعارضة السورية المعتدلة.
في النهاية، فإن هدف احتواء «داعش» وإرغامه على الاحتراق ذاتياً أكثر إمكانية للتحقيق من القضاء عليه بشكل نهائي من الخارج. ويستوجب ذلك من التحالف بقيادة أميركا أن يركز أولاً على موضعة تهديد «داعش»، ومنع انتشاره إلى أبعد من حدوده الحالية المباشرة.
وينبغي على الولايات المتحدة، خلال هذا الوقت، أن تكون مستعدة لمواجهة التغييرات المفاجئة في مسار الحركيات الإقليمية بشكل فاعل. لقد أظهرت الظروف في المنطقة نزعةً نحو التبدل السريع متقطع الوتيرة. ويرادف الفشل في الاستعداد لهذا الاحتمال الفوضى العارمة والتامة في الاستراتيجية الأميركية.
الاحتواء الفعال
تماشياً مع السياسة الأميركية اللينة، حتى الآن، أفصح أوباما عن ردٍ متعمد وعلاجي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش»، ويعتمد القدر الأكبر من نجاح الردّ المزمع على التآزر الفعال للأطراف العراقية المحلية الثلاثة، وهنا تكمن الخطورة.
وتميل الأوضاع، نظراً إلى الظروف الميدانية الراهنة، نحو منعطف أكثر خطورة وسوءاً على المدى القريب، بما يشكّل تحدياً لأميركا وقادة التحالف في منع التباينات من عرقلة مسيرة التقدم في احتواء إشكالية «داعش» أو إطاحتها.
ويحتم اطراد مسار الأحداث في المنطقة على الولايات المتحدة وحلفائها اتخاذ إجراءات مناهضة مدروسة وفعالة، تظهر استعدادها وقدرتها على إدارة مسار التصعيدات وحدّتها.

