حين اندلعت الثورة في اليمن في أوائل عام 2011، دفعت جانباً بالمشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة لحكومة صنعاء، المتمثلة في تفشي حالة التمرد المسيطر على شمال البلاد.
قبل سبع سنوات من اشتعال فتيل الثورة، كان المتمردون الحوثيون يقاتلون في معقلهم في شمال غرب اليمن. وعلى الرغم من أنهم من الشيعة، أي جزء من المذهب اليزيدي، الذي كان يهيمن على شمال اليمن، فإن شكواهم كانت تتعلق بفساد الحكم. ونظراً إلى أن الرئيس اليمني آنذاك علي عبدالله صالح كان في سدة الرئاسة حينها، فإن قلة هي التي خالفتهم الرأي.
انضم الحوثيون إلى الثورة لدى اندلاعها، إلا أنه تم تهميشهم بفعل وجود بعض المخاوف الملحة الأخرى، تحديداً ضغط الحراك الجنوبي نحو الاستقلال.
وتم، أخيراً، نزع الفتيل السياسي للأزمة، من خلال قرار إقامة يمن اتحادي مؤلف من ستة أقاليم. لا ينهي ذلك «المسألة الجنوبية»، إلا أنه يضع على الأقل إطار عمل لحلّ الأزمة.
وأصر الحوثيون على استقالة الحكومة كلها، على الرغم من عرض صالح إعطاءهم دوراً فيها، في ظل دعوة مجلس الأمن أخيراً لإنهاء حالة التمرد والتحذير بفرض عقوبات. وتزيد مطالب الحوثيين الأمور تعقيداً نتيجة للتركيبة السياسية في اليمن، حيث يدفع الحراك الجنوبي نحو الاستقلال.
لا يزال عدد كبير من اليمنيين في الجنوب، أو في بعض الأماكن منه في الواقع، يطالب بالانفصال التام عن اليمن، حيث تسيطر حكومة منفصلة بحكم الأمر الواقع. إلا أن العناصر المعتدلة في الحركة وافقت أخيراً على الانتقال نحو نظام اتحادي.
قد تكون هناك بعض المواربة حيال التفاصيل، والتطبيق وكيفية نجاح تشارك السلطة، إلا أن الجوهر يبقى في موافقة الحراك على الحاجة لإصلاح الدولة بدلاً من تقسيمها.
وتغيب إرادة العمل ضمن إطار بنيان الدولة اليمنية الحالي عن الجانب الحوثي، الذي لا تتوافق رؤيته للدولة اليمنية مع تلك المطروحة حالياً. قد يحمل المستقبل بروز العناصر المعتدلة في الحراك الجنوبي، إلا أن الموقف الحوثي الراهن ينطوي على إحداث تغييرات قد تبدّل طبيعة الدولة اليمنية الأساسية.
بدءاً بالجغرافيا، يتمحور قلب السلطة الحوثية في صعدا، التي ستنتقل في ظل الهيكلية الاتحادية الجديدة لتكون في منطقة أخرى لا تخضع لنفوذها، مما سيضطر الحوثيين إلى السعي للسيطرة على مناطق مجاورة إلى الشرق، والجنوب الغربي ستكون هي الأخرى ضمن مناطق مختلفة.
هكذا، يبدو أن الحوثيين يودون فرض سلطتهم على ثلاث من الحارات الست المندرجة في إطار التقسيم الاتحادي الجديد لليمن. ويقابل ذلك الإقليمان الواقعان تحت نفوذ الجنوبيين، ويقابله أيضاً التباين في الأعداد: فالحوثيون لا يشكلون الأغلبية في صعدا، في حين تضمّ الأقاليم الجنوبية ملايين اليمنيين.
يود بعض الحوثيين، في الواقع، الذهاب إلى أبعد من ذلك وإعادة ترتيب الهيكلية السياسية برمتها وإرجاعها إلى نظام ما قبل العام 1962.
تسيطر على اليمن حالة من الانقسام الحاد بين كلٍ من التمرد الحوثي في الشمال، والتحركنحو سلخ الجنوب، وتوجهات الحركة الإسلامية للإصلاح. على الرغم من خطورة المشكلات التي تعصف بالمرحلة الانتقالية في اليمن، فإنها لا تعيق تقدمها؛ خلافاً لما يحصل في دول الربيع العربي.
ويُظهر الحوثيون، عبر زعزعة اليمن في هذه المرحلة الحرجة، عدم إيمانهم بإجراء إصلاح حقيقي للنظام القائم، والسعي بدلاً من ذلك إلى تبديله كلياً.
الغاية والوسيلة
أجج الحوثيون مجدداً، أخيراً، نيران التمرد حيث ينتشر في شوارع العاصمة صنعاء عشرات ألوف المؤيدين للحوثيين، في خطوة يطلقون عليها «المرحلة الثالثة» من الثورة. ويخطط المتمردون قطع الطرق في صنعاء بهدف ممارسة المزيد من الضغط على الحكومة لتلبية «مطالبهم الشرعية».
لا يمثل الحوثيون، كما يدعون، «إرادة الشعب»، إلا أنهم يلجؤون إلى قضايا سياسية واقعية، كإزالة المعونات بغاية كسب التأييد الشعبي لأهدافهم الحقيقية الرامية إلى إزاحة الحكومة.

