يبدو الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي كانت خطبه الملهمة والمفعمة بالأمل محطَّ المديحٍ بالأمس القريب، أقرب إلى شبح مقارنة بصورته السابقة. باتت خطبه البلاغية مضجرة ووعوده فارغة.

ووفقاً لاستطلاع للرأي أجرته منظمة غالوب أخيراً، تبين أن 38 في المئة فقط من الأميركيين ما زالوا يؤيدون أداء أوباما. فالأميركيون من مختلف الأطياف السياسية أصابتهم خيبة الأمل حيال قائد وصل إلى البيت الأبيض تحت شعار« نعم، نستطيع».

في الوقت الذي يجتاح تنظيم «داعش» كلاً من سوريا والعراق، ويهدد بلداناً عربية أخرى، ويروج لأيديولوجيته في عواصم الغرب، يقف أوباما عاجزاً عن إدراك الخطر الحقيقي الذي تشكله مثل هذه الجماعات المتشددة الهمجية.

لقد حذف أوباما خيار الدخول في الوحول العراقية من المعادلة، مبرراً ذلك بإمكانية تقليص تأثير «داعش» في مكان وجوده، بحيث لا يتعدى كونه مشكلة يسهل التحكم بها. وبالكاد يشكل هذا التصريح ضمانة لزرع الخوف في نفوس أولئك المقاتلين المستعدين لتفجير أنفسهم في سبيل ما يؤمنون به.

وحيّر تعبير «مشكلة يسهل التحكم بها» العضو الجمهوري في مجلس النواب الأميركي جايسون شافيتز، الذي علق على الأمر بالقول: «تكون المشكلة سهلةً حين يضيق الطريق مثلاً من أربعة مسارات إلى ثلاثة، ويمكن التحكم بالأمر، لكننا هنا نتكلم عن (داعش)، الذي يريد الموت والدمار لأميركا».

إلا أن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن خرج عن النص في توجيه رسالةٍ إلى «داعش» مفادها: «يجب أن يعلم هؤلاء أننا سنلاحقهم حتى أبواب جهنم إلى أن تتحقق العدالة». إلا أن كلامه يبقى فارغاً من المضمون ما لم يترافق مع أفعال، سيما وأن الجنود الأميركيين في العراق يتساءلون عن كيفية تنفيذ هذا التهديد، وهم أسرى ثكناتهم العسكرية.

ويقع اللوم جزئياً على سياسة البيت الأبيض في انتشار «داعش». فالولايات المتحدة شجعت الانتفاضة الشعبية المعادية للنظام في سوريا، وتعهدت تمويل ودعم الجيش السوري الحرّ ولم تفِ بوعودها، فأفسحت المجال لدخول المتشددين الذين دعموا الأسد. كما أن أوباما قد أدار أذناً صماء لنداءات الحكومة العراقية المتكررة في تقديم المساعدة للإطاحة بتنظيم «داعش».

السماح للوضع في سوريا والعراق بالتفاقم يشكل أكثر أخطاء أوباما فداحةً. أولاً، لأن نجاحات «داعش» شكلت أداة انضمام المقاتلين الأبرز إليه؛ ثانياً، لأن الردع الأميركي تم تقويضه بقوة. لقد تطلب إخراج رأس أوباما من الرمال تدحرج رأسي صحافيين أميركيين.

وحتى حينها، لم يشأ أن تدخل الولايات المتحدة وحدها الحرب، فاختار انضمام تسعٍ من الدول الحليفة لتشكيل ائتلاف مواجه. وقد وصف نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني أوباما بأنه «الرئيس الأضعف الذي رأيته في حياتي».

واتسم أداء الرئيس أوباما في قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد بالطابع الباهت أيضاً، حيث أيد ارتكاز أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، إلا أنه بعيداً عن العقوبات اللينة على روسيا، فشل في منع موسكو من سلب القرم، وتسليح الانفصاليين الموالين لروسيا في الشرق، أو دفع كييف نحو الضياع الاقتصادي.

كل ما نجح في فعله، في الواقع، هو إعادة إنشاء عالم ثنائي القطبين، يشهد تقلّص تأثير الولايات المتحدة الجيوسياسي.

أما موقفه من العدوان الإسرائيلي على غزة فجاء مؤسفاً كذلك، وقد تراوح بين الإدانة لعدوان إسرائيل غير المتكافئ، والتأكيد على «حقها» بالدفاع عن نفسها. وتم تسليم دور أميركا كوسيط إلى مصر في ظل اتخاذ المسؤولين الأميركيين موقف المتفرج على الأحداث. وفيما يتعلق بمصر، فقد دفع تقرّب أوباما من جماعة الإخوان المسلمين إلى اقتراب القاهرة من روسيا.

بالتأكيد، إن عجز أوباما عن اتخاذ القرارات والالتزام بتنفيذها، مرفقاً باللائحة الطويلة من الوعود التي لم تتحقق سوف يسجلها التاريخ كنقطة ضعفه الأبرز. وسيكون على الرئيس الذي سيأتي خلفاً له أن يلملم بقايا الإرث المتفتت. إلا أن هذا اليوم لن يأتي في وقت قريب بما يكفي بالنسبة للكثيرين في أميركا والعالم.

وفاق لا بد منه

هاجمت وسائل الإعلام أوباما لإقراره بعدم وجود استراتيجية للتعامل مع تنظيم «داعش» في سوريا. فلا أحد يود سماع ذلك ممن يفترض به أن يكون قائد العالم الحر. ويمكن تفهم حيرته حيال الأمر، لأن أي حملة قصف تقودها الولايات المتحدة تتطلب الضوء الأخضر والتعاون ربما مع الرئيس السوري بشار الأسد، الذي تعتبره إدارة أوباما عدواً.

الفشل في التوصل إلى نوع من الوفاق مع الأسد سيضطر الجيش الأميركي لشن هجوم لفرز الأخيار من الأشرار. والقتال إلى جانب قوات النظام ليس نوعاً من العلاقات العامة التي يسعى إليها أوباما ولا يرغب هو أو الشعب الأميركي في خوض حرب ضروس أخرى في منطقة الشرق الأوسط، على خلفية الثمن الباهظ الذي دفعته أميركا في الحروب السابقة.