يسهل الادعاء أن كل ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يمثل عودةً إلى وضع المنطقة قبل الحرب العالمي الأولى. فبعد مرور ألفية كاملة على أعمال الفوضى، ها هي القصة تستمر. فرضت قوى الغرب فيما مضى النظام على المنطقة المنقسمة، وساعدت في تأسيس الدول الحديثة. ويقول النقاد إن حدود الشرق الأوسط الحديث قد صمدت أكثر من المقدر لها. وهي لا تتوافق مع النزاعات الطائفية وخطوط الصدع الإثنية التي طالما شكلت أساس الدول المستقلة في المنطقة، وتعمل راهناً على تمزيقها.

وبالنظر إلى تاريخ الشرق الأوسط، نرى أن التغيير هو الأمر الأكثر استقطاباً للأنظار. كانت مدن المنطقة على امتداد تلك الفترة شديدة التنوع. وضم الخليط متعدد اللغات من عرب وفرس وأتراك وإفرنج المجتمعات المسلمة والمسيحية واليهودية التي انقسمت إلى طبقات وفئات موزعة حسب المهن، وفروقات حددها قدم الزمن وحداثته بين كل من سكان المناطق الحضرية والمهاجرين الجدد القادمين من الأرياف.

عمّق النظام القائم التوترات والشروخ إلا أنه عزز الاتصالات. فانصهر مسيحيو المنطقة مع المسيحيين الآخرين بغض النظر عن أصلهم، وتبادل الحدادون الاهتمامات ذاتها، وتوحدت أهداف الصاغة. أقامت العائلات التي تمتهن التجارة علاقات مع مثيلاتها، وتشاركت المصالح مع التجار الآخرين، وتقاسمت القبائل المناطق الريفية. وساعد الانصهار الحاصل في تخفيف وطأة العداوات بين المجموعات وضمن الشعور بنوع من التواصل مع الآخرين. ارتبط الأفراد بهويات متعددة في آن، فحاكوا معاً النسيج الاجتماعي برمته.

دخلت قوى الاستعمار الغريبة على هذه البيئة، وواصلت لعب دورها على امتداد السنوات الحديثة. غالباً ما أمِل الحكام الأجانب بتقليص الفروقات الطائفية بوصفها إحدى البقايا المحرجة من الماضي. إلا أنهم لجأوا إلى الهوية الطائفية كوسيلة سياسية كذلك. فعملوا أحياناً على تذكية تلك التباينات من خلال منح امتيازات لمجموعات إثنية وطائفية محددة، وتشجيع الأقليات على الاعتصام بالسفارات الأجنبية لحمايتها بوجه الأغلبية، واستعانوا بحلفاء الطائفة لتعزيز مصالحهم في البلاد.

تخطت السياسة الحديثة لفترة من الزمن تلك الانقسامات، حيث تمحورت، في القرن العشرين، غالبية الهويات السياسية في منطقة الشرق الأوسط حول الإيديولوجيا. واشتعلت المعارك بين الأطراف البعثية والشيوعية والناصرية العلمانية والإسلامية، ودار القتال غالباً في حلقة مفرغة. وتمثلت الحصيلة الأبرز في تبدّل التبعيات، فالإيديولوجيا بطبيعتها متقلبة.

أما الهويات الطائفية، وخلافاً للصراع الطائفي، فهي غير قابلة للتغيير، وقد ارتفع منسوب استخدامها كمؤشر ولاء سياسي في العقود الثلاث الأخيرة. استغلت الطائفية بشكل ممنهج وفعال في كل من العراق وسوريا لإخلال بقوى توازن الأكثرية وتقريب الأقليات المحصنة بالامتيازات إلى الزعامات. سعى القادة إلى تقسيم المجتمعات على أساس «مع» و«ضد» لترسيخ دعائم الاستقرار قصير الأمد. وشكلت الهوية الطائفية مؤشراً واضحاً ومجدياً على الولاء.

إلا أن التكتيكات التي أعطت الهوية الطائفية دوراً أكبر في الشرق الأوسط الحديث، أدت إلى صراعات مستعصية.

حيث سعت المجموعات السياسية الطامحة للسلطة إلى تسليط الضوء على الهويات التي يصعب التغافل عنها، والهوية الطائفية تشكل إحداها. وغذّى الصراع نشوء التكتلات ضمن المجموعات المختلفة. وولدت هذه العملية حلقة من عدم الثقة التي دفعت بالأفراد إلى الاحتماء في أحضان الجماعة أو الطائفة، ما أجّج الشرخ والانقسام.

ولجأ القادة إلى تلك التكتيكات في محاولة لإحكام القبضة السياسية، فأقاموا الحواجز ليتمكنوا من فرض نفوذهم على كل من وما يدور في نطاق معين. وابتكروا التهديدات ليتاح لهم حماية أتباعهم منها. وراهنوا بمستقبلهم السياسي على استمرار الصراعات وقدرتهم على حماية جماعتهم منها.

الانقسامات أمر يسهل إيجاده ويصعب التخلص منه، لكن الخطوة الأولى تبدأ بإدراك ما تمثله من التخلي عن التاريخ بدلاً من العودة إليه. تجسّد إعادة إنشاء مصالح مشتركة عابرة للهويات خطوة مهمة، تماماً كإيجاد الأمن للجميع. الاختلافات الطائفية ليست بالأمر المستجد، لكن مغزاها هو كذلك. والسماح للاختلافات بأن تقرر كل شيء لا يعود بنا إلى الماضي بل يخطو نحو مستقبل مختلف قد يكون أكثر عنفاً.

جدل محتدم

يمكن البناء على الجدل الراهن لشرح العديد من الصراعات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط اليوم: الحرب في العراق وسوريا وليبيا.

تعود تلك الصراعات إلى قرون من الزمن فكيف يمكن التعويل على بناء البلدان التي تشكل ساحة صراع؟ لاسيما وأن العائلات تهرب من منازلها للاحتماء في أحياء أخرى من لونها تكون أكثر أمناً وأماناً، فتمزق بالتالي روابط الاتصال التي حبكت تركيبة الشرق الأوسط لقرون مضت.

ويتخطى الجدل القائم الطرق التي اتبعتها الحكومات ومجموعات المعارضة في استغلال الهوية الطائفية والإثنية عمداً كمأزق قصير الأمد لإيجاد المشكلات السياسية الحديثة. في الواقع، ليس هناك ما هو «طبيعي» حول انقسامات المنطقة إثنياً أو طائفياً. في حين أن الهويات الطائفية لا تتغير بسهولة، فإن أهميتها تتبدل ومركزيتها بالنسبة للسياسة الحديثة وظيفة تقررها المنفعة السياسية.