تذكرنا حروب هذا الصيف في العراق وغزة وعلى الحدود الروسية الأوكرانية بأن السلام والأمن، اللذين نعتبرهما من المسلمات في بريطانيا، أمران بغاية الهشاشة والقيمة.

حتى من أصبحوا معتادين الفظائع التي تضرب عالمنا، هزتهم الأحداث الأخيرة، سيما الفظاعات الوحشية التي يرتكبها «داعش».

وتتمثل المهمة المضللة لهذا التنظيم بالتدمير المنهجي لكل من يرفض مشاركته أيديولوجيته الدينية. وقد أدت إلى معاناة اليزيديين، والأكراد، والشيعة، والمسيحيين، والصحافيين، كما السنة الذين لم يتحالفوا مع «داعش» ويقاتلوا معه. وروعت هذه الأعمال الناس، في كل الجماعات في بريطانيا.

أضف إلى هذا إدراكنا لتحدي «داعش» للحكومة الديمقراطية في العراق، ولو ابتعدت عن المثالية، ومحاولة التأسيس لدولة جديدة في المنطقة تكون مصدر تهديد وعدم استقرار كبيرين في العالم.

في مواجهة هذا الخطر، أقول بوضوح إنه لا يمكن تجاهل «داعش» أو عدم الاكتراث بوجوده وتمني زواله. لكن إن كنا قد تعلمنا شيئاً من أحداث العقد الماضي، فهو وجوب المضي قدماً بوضوح نحو أهدافنا والأساليب التي ستتبع لتحقيقها.

تمثلت الأولوية القصوى في حماية الأبرياء في العراق. لهذا السبب، دعم حزب العمال البريطاني الضربات الجوية الأميركية ضد «داعش»، وخطوات الاتحاد الأوروبي لإمداد حكومة إقليم كردستان بالدعم العسكري، الذي لعب دوراً مركزياً في منع تقدمها.

تتمتع القدرات العسكرية الأميركية الفريدة بدور كبير، لكن الحكومتين الأميركية والبريطانية لا تقترحان الدخول في الوحول العراقية. إذ إنه، ووفقاً للرئيس الأميركي باراك أوباما، لا يمكن هزيمة «داعش» إلا بوجود تحالف متعدد الأقطاب يضم المنطقة بأسرها للإقدام على أي عمل سياسي، دبلوماسي، وإنساني.

وينبغي على هذه الاستراتيجية متعددة الأقطاب أن تستحوذ على عدد من الأهداف: استئصال مسببات دعم «داعش» داخل العراق، قطع الإمداد الخارجي عنه، جمع القوى الإقليمية لإيجاد تسوية سياسية ثابتة واستقرار دائم، وتأمين المساعدات الإنسانية للذين يواجهون النتائج الوخيمة للصراع.

يتوجب على المجتمع الدولي الإصرار على حكومة جامعة تعزز الحريات والحقوق، في خطوة تعكس تفهمه بأن «داعش» نجح في الوصول إلى ما هو عليه عبر التركيز على ظلم وكبت سنة العراق.

كما يجب أن تدرك دول المنطقة مسؤوليتها، حيث يجب أن تسارع للتوضيح بأن دعم الجماعات المتشددة ليس خطراً وحسب، بل هو غير مقبول. سبق لمجلس الأمن أن فرض عقوبات على كل من يموّل أو ينخرط أو يزود «داعش» بالأسلحة، لكن على بريطانيا أن تمارس أقصى ضغط ممكن لقطع الدعم عنه تماماً.

يتعين على المملكة المتحدة، كأحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أن تقود الاستراتيجية الدبلوماسية، وتفعل كل ما في وسعها لتأكيد مشاركة دول رئيسة في المنطقة. تتطلب شرعية الردّ وفعاليته على «داعش» مثل هذه الخطوة متعددة الأقطاب.

أثبتت أحداث هذا الصيف كيف أن إدارة الظهر للتعقيدات والاضطرابات الحاصلة في الشرق الأوسط ليس خياراً مطروحاً.

لكن يتعين علينا أن نظهر كيف تعلمت بريطانيا من دروس التاريخ الحديث، من خلال مقاربة تعتمد على تعددية الأقطاب الحقيقية، والعمل لبناء تحالفات عبر القارات لمجابهة تنظيم «داعش» وأيديولوجيته.

توافق ضروري

يبثّ تعيين رئيس الوزراء العراقي المكلف حيدر العبادي بعض الأمل في أن يتجه العراق، الذي مزقته الصراعات الطائفية، نحو اتفاقية مستدامة لتقاسم السلطة والتمثيل الشرعي للمصالح كافة. ويتوجب على الأقلية السنية، التي شعرت بالتهميش أيام رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي، أن تتخلص من مخاوفها من دون الانتحار بالسير نحو الالتحاق بتنظيم «داعش».