أقرّ الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، بأن إدارته لم تعمل على تطوير استراتيجية حول كيفية التعامل مع نشوء تنظيم «داعش» كقوة في الشرق الأوسط. لكن، مع استمرار توغل قوات التنظيم في كل من سوريا والعراق، يعتقد الكثيرون في الإدارة الأميركية أن الوضع، وفق وزير الدفاع الأميركي، تشاك هايغل: « يتخطى كل ما سبق لنا رؤيته».
وقد انتقد المحافظون الجدد، كما كان متوقعاً، خطاب الرئيس الأميركي، وذلك لأنهم يؤمنون بأن حلّ مثل هذا النوع من المشكلات يكمن في المزيد من القصف وانتشار القوات الأميركية على الأرض، ولهذا لا يسعهم أن يتفهموا تردد أوباما حيال تنظيم «داعش».
وأوضح رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأميركي، بوك ماكوين من الحزب الجمهوري، أن قتال تنظيم «داعش» سيكلف أميركا المزيد من المال، وسيعيد القوات الأميركية المسلحة إلى العراق للمرة الثالثة. وهكذا يتعرض حلم السلام في مرحلة ما بعد العراق وأفغانستان للتفكك.
وقال ماكوين أخيراً: « يشكل تنظيم (داعش) تهديداً ملحاً، وإن اعتمادنا نهج الحدّ الأدنى المرتكز فقط على تمويل السنة المالية لعام 2015 أو على القيام بهجمات معادية بسيطة تترك للقوات الضعيفة في العراق وسوريا مهمة القتال الشرس، ليس أمراً كافياً لحماية مصالحنا وضمان سلامتنا بمرور الوقت».
ما الذي يعنيه هذا الكلام على أرض الواقع؟ لو عاد الأمر للمحافظين الجدد، لقام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بـ«طباعة» المزيد من الأوراق المالية، لتمويل تدخّل أميركي آخر شامل في منطقة الشرق الأوسط. وهو ما سينعكس في الحقيقة في صورة مزيد من انخفاض قيمة الدولار الأميركي، مما يشكل ضريبة إضافية يدفعها المواطن الأميركي وتشكل ضربة في العمق للطبقة الفقيرة في البلاد.
لن يساهم أي هجوم آخر في القضاء على تنظيم «داعش»، بل سيعمل على العكس من ذلك بتأمين ذريعة يتوق لها «الداعشيون» لضم المزيد من المقاتلين إلى صفوفهم، فيما يجفف أموال الخزينة الأميركية. وهذا ما أراده أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الأسبق، تماماً!
يتصرف ماكوين وسواه من صقور الإدارة الأميركية وكأنهم أدركوا حديثاً فقط وجود «داعش». أو، إن سبق لهم أن لاحظوا وجوده، فهم يدّعون أن لا علاقة للسياسة الأميركية ببروزه.
وأتى أيضاً في كلام ماكوين: « لقد تمّ السماح بنشوء تنظيم (داعش) وانتشاره على امتداد فترة من الزمن».
في الواقع، يشكل تغيير النظام الأميركي لسياسته حيال سوريا المسؤولية المباشرة لازدهار التنظيم على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. « وكما أشار الصحافي الأميركي المولد، إريك مارغوليس، أخيراً، يشكل ظهور تنظيم (داعش) أم النكسات جميعاً».
لماذا لا يمكن للمحافظين الجدد الاعتراف بأنهم كانوا على خطأ وحسب؟ لماذا لا يمكن لأنصار التدخل العسكري الإقرار بأن موقفهم في سوريا كان متزعزعا؟
إن كان تنظيم «داعش» يشكل تهديداً بالحجم الذي يدّعونه، فلماذا لا يسعهم الطلب من الرئيس السوري بشار الأسد مساعدتهم في القضاء عليه؟ لم يشكل الأسد يوماً تهديداً للولايات المتحدة الأميركية، على عكس «داعش» تماماً.
لماذا تصر الحكومة الأميركية على الانحياز للأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط؟ إن كان هناك من أمر يتناقض مع دستور الولايات المتحدة ومنظومة القيم الأميركية، فهو حتماً الحكومة الدكتاتورية.
ولا أعتقد أن غالبية شعوب الشرق الأوسط تريد العيش في ظل مثل هذه الحكومات، فلماذا واصلت أميركا الدفع باتجاه فرضها عليهم؟ هل هذا ما يسمى بالترويج للديمقراطية؟ يشكل غياب الاستراتيجية بريق أمل.
لعل الرئيس الأميركي سيكفّ في النهاية عن الاستماع للمحافظين الجدد ومناصري التدخل العسكري، ممن أقحمت توصياتهم الولايات المتحدة في الفوضى في المقام الأول.
الاستراتيجية الواجب على أميركا اتباعها، في ظلّ الأوضاع السابقة والراهنة، هي التالية: أيها الجنود الأميركيون، عودوا إلى الديار!
المحافظون المتناقضون
المحافظون الجدد الذين يبتغون التصرف بحزم أكبر مع «داعش»، بما في ذلك توجيه ضربات عسكرية أميركية لسوريا، كانوا هم أنفسهم مَن طالب، منذ فترة ليست ببعيدة، بدعم جماعات من أمثال تنظيم «داعش» بهدف الإطاحة بنظام الأسد.
وقد انضم «المعتدلون» من مقاتلي الجيش السوري الحر، الذين تم تدريبهم وتمويلهم على يد أميركا نفسها، إلى ميليشيات متفرقة أخرى تضم فيما تضمه، تنظيم «داعش»، وقد حمل هؤلاء الأسلحة الأميركية الصنع، وتدربوا على قتال الأطراف الأخرى باستعمالها.
لقد أسفرت ثلاث سنوات من تقديم الدعم لقوة غير محددة الهوية بدقة، عن ولادة وحش جديد في منطقة الشرق الأوسط، يصرّ المحافظون الأميركيون اليوم على قيام الإدارة الأميركية بالفتك به.

