مع تصاعد حدّة الأزمة في أوكرانيا على مدى الأشهر الستة الماضية، قامت روسيا بتطوير شكل جديد للصراع، تمثل بإقحام قوات خاصة عملت ببطء وإصرار على التحريض وتصعيد وتيرة الصراع. تسخر تصرفات روسيا من القانون الدولي والاتفاقيات، التي ضمنت الاستقرار في العالم ما بعد الحرب الباردة، إلا أن التحذيرات والعقوبات المتخذة بحق روسيا لم تؤتِ ثمارها حتى الآن.

وقد أتاحت قمة منظمة حلف شمال الأطلسي، «ناتو»، الأخيرة الفرصة الفضلى لوقف الاعتداء في أوروبا، من دون أن تلجأ قوات حلف «ناتو» إلى القيام بالتزامات أساسية، غير أن هذا الوضع يتطلب فهماً أعمق للوضع القائم، والمزيد من التآزر والتصرف الحاسم.

أولاً، لم تكن الأعمال التي قام بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين «محرّضة»، إذ إنها تشكل جزءاً من مخطط طويل الأمد لإعادة تشكيل روسيا الكبرى، من خلال إعادة إحكام السيطرة على أوكرانيا وبعض الدول والجمهوريات المستقلة حديثاً، المعروفة باللغة السياسية الروسية بدول «الخارج القريب».

لن تعترف روسيا باجتياح أوكرانيا، لأن ذلك من شأنه أن يستدعي رداً أقوى لهجةً من «ناتو»، لكن إلى أن تقوم حكومات دول الحلف بالإشارة علناً إلى التصرف الروسي على أنه «اعتداء» و«اجتياح»، ستلاقي صعوبة في حشد الدعم حيال إجراءات أعنف ينبغي اتخاذها بحق روسيا.

من غير المرجح أن يصرف الرئيس بوتين النظر عن العقوبات، إلا إذا أخلّت ببعض عناصر الاقتصاد الروسي، حيث قد يفضّل حتماً عدم مواجهتها، لا سيما أنه هو نفسه يفرض عقوبات من شأنها أن تحكم قبضته على الأقاليم الأكثر ارتباطاً بالغرب، ولكسب تعاطف «قاعدته الانتخابية».

يتعين على «ناتو» التصرف بحزم لتدعيم الدول الأعضاء، التي تشعر بتهديد تصرفات بوتين. وينبغي على قواتها التموضع بشكل دائم في البلطيق، وبولندا، وشرق البلقان، كما يجب تعزيز قوات التدخل السريع، وإجراء تدريبات عسكرية أكثر صرامة، وإعادة التشديد على مبدأ الرادع النووي الخاص بـ«ناتو»، وإجراء تحديثات مستحقة، وتتطلب كل تلك الأمور موارد ضخمة تنطوي على موازنة مالية وقوة بشرية.

تعتبر تلك الخطوات سهلة نسبياً، لكن حتى لو تم العمل بها، فهي لن تضع حداً للتهديد المتصاعد، ولن تمنع تثبيط همة بلدان أوروبا الشرقية، فبلدان الحلف تدرك تماماً أن الانتصارات تقوي شوكة المعتدي، وأن أوكرانيا تقاتل اليوم انتصاراً لقيم الحرية، والديمقراطية والحكومة الذاتية التي تنادي بها منظمة «ناتو». وهي تسأل نفسها إلى أي مدى سيتحلى «ناتو» بالشجاعة في وجه التهديدات الروسية المتجددة.

يصح القول، إنه ليس هناك من حلّ عسكري، بل هناك حلّ سياسي لأزمة أوكرانيا. ويكمن الحل الدبلوماسي الوحيد بإقناع الرئيس بوتين بالتوقف والامتناع عن ممارساته العسكرية في أوكرانيا، لكن كما بتنا نعلم أن عملية الإقناع تتطلب إضافة لأعمال الدبلوماسية وفرض العقوبات، مساعدة أوكرانيا على إيجاد وسائل عسكرية تهزم بها استراتيجية الحرب الروسية الجديدة.

يرادف، على الأرجح، تأمين المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات، والمشورة والمعدات العسكرية، الآن، إنقاذ آلاف الأرواح البشرية ومليارات الدولارات التي لا بدّ من إنفاقها في المستقبل، إذا استمرت الأزمة. لقد حان الوقت لقول الحقيقة في شأن الاعتداء الروسي، كما للتصرف بحزم حيال مساعدة أوكرانيا على وضع حد له.

تصرف حازم

يتعين على «ناتو» التصرف بحزم لتدعيم الدول الأعضاء، التي تشعر بتهديد تصرفات بوتين. وينبغي على قواتها التموضع بشكل دائم في البلطيق، وبولندا، وشرق البلقان، كما يجب تعزيز قوات التدخل السريع، وإجراء تدريبات عسكرية أكثر قسوة، وإعادة التشديد على مبدأ الرادع النووي الخاص بـ«ناتو»، وإجراء تحديثات مستحقة، تتطلب كل تلك الأمور موارد كبيرة تنطوي على موازنة مالية وقوة بشرية.