يقول العالم السياسي الأميركي البارز صمويل هنتنغتون، في كتابه «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي»، إن الهويات الثقافية والدينية ستشكل المصدر الأساسي للصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة. وتعتبر أفكاره على نحو غير متوقع مفيدة في تحليل الأزمة الراهنة في أوكرانيا.
بدايةً، تبنى المؤيدون في كييف لقطيعة مع روسيا منطقاً بسيطاً: روسيا وأوكرانيا حضارتان مختلفتان، فالأولى، تشكل قلب الحضارة الروسية، في حين تميل الثانية بقوة نحو الحضارة الغربية. لذا، يجادل الأوكرانيون بأن رغبة كييف في الاندماج مع أوروبا تعتبر عملية طبيعية.
قد يبدو هذا الموقف معقولاً بما يكفي، إلا أن مناصريه إما أساؤوا قراءة هنتنغتون، أو تعمّدوا تشويه الحقيقة. فالمشكلة هي في أن خط الصدع بين الحضارتين لا يقع بين روسيا وأوكرانيا، بل في أوكرانيا نفسها.
من الأهمية بمكان، أن نتذكر أن أوكرانيا الحديثة وليدة النظام السوفييتي السابق، وأن قادة الاتحاد السوفييتي حينها وضعوا الحدود، ليس وفقاً لنظريات هنتنغتون، بل بناءً على اعتبارات سياسية لا تأخذ بعين الاعتبار التقاليد المحلية، واللغة، والدين والعقلية السائدة.
يكاد يستحيل في خضم الحرب، أن نحدد تماماً أفضليات الغالبية من الشعب، لكن من الواضح أن بعضهم يريد الانضمام لروسيا، وبعضهم الآخر يريد دولة مستقلة. علماً بأن الطرفين يرفضان إملاءات الغرب الأوكراني وكييف على حدٍّ سواء.
هناك ثلاث محصلات محتملة لهذا الوضع. إما أن يساعد الغرب كييف على سحق المنشقين، أو يتخلى الغرب وحكومة كييف عن جنوبي أوكرانيا ويتركوه وشأنه، أو تملّ الأطراف الحرب ودمارها، وتتفاوض على مستقبل للبلاد قائم على التسوية.
في ظل المعايير المزدوجة التي تسود الحياة السياسية الحديثة، قد لا تصبح روسيا وحكمها سوى صفحة من التاريخ، وقد لا يتذكر طلاب المدارس بعد مئة أو مئتي عام الأزمة الحالية في أوكرانيا. إلا أن الصدامات الحضارية لن تتوقف، ولن تزول.
