تشكل أوروبا اليوم واحة استقرار في بحر من الصراعات. فشرقاً، زادت روسيا عدد قواتها العسكرية لدعم القتال الانفصالي، الذي تمت فبركته في أوكرانيا. وجنوباً، يغذي وجود الدول الضعيفة والصراعات الطائفية تصاعد وتيرة الاضطرابات والتشدد.

تتمثل مسؤولية حلف شمالي الأطلسي، «ناتو»، الكبرى في حماية الحلفاء من الدول الأعضاء الـ28، والدفاع عنهم بوجه أي اعتداء. كما ينبغي تدعيم قدراته للتمكن من التعامل مع الأزمات الحاصلة، والعمل مع الشركاء للحفاظ على النظام الدولي المبني على القوانين.

وشهدت قمة حلف شمالي الأطلسي، في ويلز، محورين أساسيين لأجندة الاجتماع، تمثلا بالردّ على الاعتداء الروسي وأزمة العراق. وتطرح هاتان القضيتان تحديات أمنية كبرى تتطلب مختلف أنواع الردود، سيما أن نشوء تنظيم «داعش» يهدد بزعزعة الاستقرار في المنطقة.

ساهم تصرف الولايات المتحدة وحلفاؤها الحاسم في إبطاء تقدم «داعش»، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، في حين يمثل تكليف رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر العبادي خطوة مهمة على طريق الحلّ.

تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية مساعدة العراق في التغلب على «داعش»، لكن يبقى على الحكومة العراقية أن تطلب الدعم، وتبرهن على حسّ قيادي في التعامل مع التحديات. ففي حين طلب العراق المساعدة من معظم دول التحالف، إلا أنه لم يتقدم بطلب محدد لـ«ناتو»،.

اندلعت الأزمة الأوكرانية فجأة، إلا أن جذورها مختلفة. ففي حين كانت مشكلات العراق بغالبيتها داخلية الطابع، من الواضح أن أزمة أوكرانيا مصنوعة في روسيا. أثناء محادثات السلام، لم تقدم روسيا على أية خطوة، بل ذهبت بالاتجاه المعاكس، فواصلت تزويد الانفصاليين بالعتاد، والمقاتلين، والمال. كما عملت على تصعيد حدة التوترات وصولاً إلى العمل العسكري المباشر في أوكرانيا.

كشفت صور الأقمار الاصطناعية التي أصدرها «ناتو» أخيراً، انتشار ما يزيد على ألف جندي روسي يقاتلون من عشرات المواقع في أوكرانيا. ويشير هذا الواقع إلى تحول دراماتيكي في الصراع.

ضاعف «ناتو» دعمه لأوكرانيا على مبدأ أن في الوحدة قوة، وأظهر ذلك من خلال مساهمة جميع دول الحلف في الجهد المبذول. حيث إنه بالإضافة للإجراءات المتخذة، يبحث الحلف في الوضع الأوكراني على المدى البعيد وسيعزز حضوره في أوروبا الوسطى والشرقية،.

يطوّر حلف «ناتو» ما أسماه رأس الحربة ضمن قوات الردع التابعة له: قوة عسكرية على أهبة الاستعداد، قادرة على الانتشار في وقت قصير. وستؤمن دول التحالف مداورة رأس الحربة الذي قد يضم آلاف الجنود المستعدين للرد بحراً وبراً وجواً بدعم من القوات الخاصة. وسيتطلب ذلك وجود مرافق استقبال على أراضي بلدان الحلف ووجود معدات ومؤن. كما سيعمد إلى ترقية المستوى الاستخباراتي من حيث جمع المعلومات وتبادلها بين الدول الأعضاء، وتحديث الخطط الدفاعية، وتوسيع نطاق برنامج التدريب.

سيقتضي تنفيذ العملية مشاركة والتزام أعضاء الحلف كافةً. حيث لا يكفي الاعتماد على بعض الدول القوية والمستعدة فحسب، كالولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا وبريطانيا. يتوقع «ناتو» التزاماً مشتركاً لمضاعفة الاستثمار الدفاعي، وينتظر من دول الحلف إنفاق الأموال اللازمة للقيام بالأمور الصحيحة، أي تزويد جنود مستعدين للانتشار، تكون على أعلى مستوى من التدريب والتجهيز. في حين تستعر الصراعات على حدود دول الحلف، يحتاج لأن يبقى دفاعاته قوية وردوده حاسمة.

الردّ الحاسم

ذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تحتفظ بحق القيام بأي عمل عسكري في أي بلد يوجد به مواطنون روس، بما في ذلك دول حلف شمالي الأطلسي. وتستدعي تهديدات بوتين المتمثلة بإغفاله التزامات روسيا الدولية، واعتماد بلاده تكتيكات تخريبية، الردّ. لذا قام «ناتو» بمضاعفة دورياته البحرية والجوية في دول البلطيق، وعلّق تعاونه مع روسيا.