التقارير التي يطالعنا بها الإعلام، حول موجة العنف الأخيرة في العراق، تبدو صريحة وواضحة المعالم. إلا أن ما يحدث، في الواقع، بعيد كل البعد عن ذلك. فتنظيم "داعش"، وفق ما تفيد التقارير، عبارة عن ميليشيا وحشية منخرطة في الحرب في سوريا، وقد اجتاحت عدداً كبيراً من مقاتلي الجيش العراقي الضعيف، فيما يبدو غزواً لا يعرف حداً استولى على شمال العراق وغربه، ووصل إلى ضواحي بغداد. البلد الذي يجتاحه صراع طائفي حتمي يقف على أعتاب الحرب الأهلية.
أما الولايات المتحدة التي تخلت، في وقت قريب ،عن العراق فعليها التصرف بسرعة الآن، والانتقاء من بين مجموعة من الخيارات الصعبة، بما فيها التدخل العسكري في العراق. أو اختيار البديل عن ذلك ومشاهدة العراق يتفتت ودولة "داعشية" تنشأ على طول شرق سوريا وغرب العراق.
غالبية هذا الكلام مضلل، في أفضل الأحوال، بل إن بعضه خاطئ تماماً. فتنظيم "داعش" ليس سوى خليط لا يحصى من المجموعات السنية المسلّحة.
وهو عبارة عن حركة تمرد سنية نشأت بوجه حكومة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي، وتضم في صفوفها مجموعات أخرى مثل أنصار الإسلام، والمجلس العسكري لقبائل العراق، الذي يضم أكثر من 80 قبيلة، وجيش رجال الطريقة النقشبندية، وهو مجموعة تدّعي وجود أفراد من الشيعة والأكراد في صفوفها، إلا أنها حتماً تضم عدداً من البعثيين السنة الموالين للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
لائحة طويلة
يشكل ذلك جزءاً من لائحة تطول، ويبقى المغزى الأهم منها أن القوات التي أثبتت على مدى الأسابيع القليلة الماضية فعاليتها، عبارة عن مجموعات تفرقها اختلافات عميقة، وكراهية متبادلة ربما. انقلب تنظيم "داعش" ،على سبيل المثال، على تنظيم القاعدة الذي انبثق منه، بحجة أنه معتدل جداً، وهو يعتبر البعثيين مشكوكاً بأمرهم.
تقاتل تلك المجموعات معاً اليوم، لكن الأمر لن يطول، سيما وأنها كانت تقاتل حيث القوى المحلية تساندها، لكن الأمر سيختلف كثيراً عند مواجهة جيش البيشمركة الكردي القوي أو القوات الشيعية حيثما توجد.
والقصة التي بدا أنها تدور حول التطورات الدينية والعسكرية، تتمحور معظمها في الواقع حول السياسة: الوصول إلى المصادر والخدمات الحكومية، التدخل الفاعل في صنع القرارات، والحصول على القليل من العدالة الاجتماعية.
ما يحصل الآن، ليس بالتفاصيل إنما في الجوهر، كان جلياً وقت زيادة العسكريين الأميركيين ،التي أمر بها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في العراق قبل سبع سنوات. وكان العذر آنذاك، هو أن انعدام الأمن في العراق يقطع الطريق على إيجاد تسوية سياسية.
إلا أن الاتفاقيات الهامة المتعلقة ب"المعايير" السياسية لم تنفذ مطلقاً. حين تتفكك الحكومات، سيما السلطوية منها، سرعان ما يملأ الصراع على السلطة الفراغ، كما هي الحال في العراق.
حل سياسي
لا يوجد حلٌّ عسكري لوضع العراق الراهن، فالحلّ ينبغي أن يكون سياسياً. حقيقة وجود فرصة ضئيلة للنجاح، لا تبرر مطلقاً الاستمرار في القيام بأمور خاطئة. لا يمكن كذلك التوصل إلى حلٍّ داخلي للوضع القائم في العراق، حيث أن كافة الدول المجاورة ضالعة بشكل ما في الفوضى الحاصلة.
يتعين بذل جهد دولي للتوصل إلى حلّ معمول به، بتعاون مختلف الأطراف، ورعاية الأمم المتحدة ربما، حيث الجميع يتشارك، إلى حدّ ما، من مصلحة عدم نشوء حالة من الفوضى الشريدة في العراق.
حان الوقت للولايات المتحدة أن تعيد التفكير في الهدف السياسي الذي تسعى إليه منذ العام 2004، والذي يتمثل بتشكيل حكومة مركزية قوية في العراق. لقد ثابرت على تحقيق مبتغاها ولجأت إلى عدد لا يحصى من التغييرات التكتيكية، التي لم تلاقِ النجاح، إذ أن أياً منها لم يكن ينطوي على استراتيجية مركزية.
فمن دون التوجه نحو تنظيم البلاد، في خطوة تنص على رؤية أكثر اتساماً بالطابع الفيدرالي للعراق، تتمتع المناطق المختلفة من خلالها باستقلال أكبر، وحكومة مركزية تتمتع بسلطات أقل، وسيطرة مقبولة على مصادر النفط، وفي بلد يسوده الخوف المتبادل، والأخطاء الفعلية والمزعومة من قبل جميع الأطراف، ستستمر وتيرة العنف تتصاعد لسنوات كثيرة مقبلة.
أوهام أميركية
يرى بعض المراقبين أن وجود القوات الأميركية لعقد أو عقدين من الزمن في العراق يعد بجلب السلام إليها. لكن على الأرجح فإن العراقيين وجيرانهم لن يحتملوا وجودها طويلاً. كما أن الساسة قد يلاحقون أحلام السلطة والرغبة بالانتقام لفترة تتخطى العقدين.
فرض وجود أميركا المسلح في العراق اتخاذ الصراع منحىً غير عنفي لفترة، إلا أنه لا يستطيع محو أو حلّ السباقات المتعددة نحو السلطة السياسية. هل كانت للولايات المتحدة نيةّ بالبقاء فترة أطول، لو أن السلام المصطنع الذي فرضته قواتها المسلحة، قد تحول إلى سلام حقيقي؟ ربما.
لكن العراق يملك جهازاً عسكرياً ضخماً، يصل قوامه إلى مليون رجل تحت السلاح، عالي المستوى ومتقن التدريب، ومزود بأسلحة أميركية الصنع. والتوهم بأن عاماً أو عامين من الحضور العسكري الأميركي كان من شأنه أن يجمد الموقف في العراق، ليس سوى ضرب من الخيال.
