تثير الفرقة الهمجية التي تقطع الرؤوس وهي تؤدي يمين الطاعة لعراقي المولد نصب نفسه خليفة، فضولاً على الجبهة الأيديولوجية. فقبائل السنة في العراق التي أخرجت تنظيم القاعدة في عام 2007، عقدت صفقة مع الشيطان «الداعشي»، رداً على تهميشها من جانب الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة. لكن يعتقد المحللون أن هذا الاندماج لن يدوم طويلاً، لاسيما في حال قام رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي بمد يده إلى جميع العراقيين ونجح في إصلاح، ليس فقط النموذج السياسي، لكن أيضاً الجيش ليشمل كل الأقليات العراقية. لكن يبقى إرسال ما يطلق عليه اسم «داعش» إلى سجلات التاريخ تحدياً صعباً، طويل الأمد، سواء على الجبهتين المادية والأيديولوجية.
أما لماذا سمح لتنظيم «داعش» أن يتكاثر، فهذا يعد الموضوع المحبب لمنظري المؤامرة، لكن الأمر غير القابل للجدل هو واقع أن هذه المجموعة على درجة كبيرة من التوحش، بحيث تجعل تنظيم القاعدة يبدو مثل روضة أطفال إرهابية للمبتدئين. وأضف إلى شرورها مستودعاتها من الأسلحة ذات التكنولوجيا الأحدث المصنوعة في الولايات المتحدة، علاوة على أنظمة الدفاع الجوي الروسية الحديثة التي استولى عليها التنظيم من مطار الطبقة السوري العسكري، أخيراً، والأموال المعدة للحرب التي تفيض بمليارات الدولارات، فإن تدميرها لن يكون نزهة في حديقة.
استراتيجيات متطورة
وعلاوة على ذلك، وعلى نقيض الطابع البدائي الذي اتسم به أسامة بن لادن، فإن «داعش» تستخدم استراتيجيات علاقات عامة متطورة، وقد برهنت على أنها بارعة في أمور التكنولوجيا، وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة تجنيد لاجتذاب مقاتلين جدد، إلى جانب بيع إناث سبايا في سوق النخاسة، كذلك في احتضان أطفال أبرياء وجعلهم يرغبون في أن يكونوا إرهابيين.
وبالتأكيد وافق زعيم العالم الحر على مضض على إلقاء بعض القنابل لحماية الأميركيين وحلفاء أميركا الأكراد. وقد تطلب الأمر قطع رأس الصحافي الأميركي جميس فولي من قبل وحش بلكنة بريطانية، قبل أن يفتح القادة الغربيين أعينهم للخطر الذي يحدق بهم ويهدد شواطئهم.
وما يقرب من ألفين من متطرفي «داعش» هم مواطنون مسلمون من الدول الغربية، ويعتقد أن واحداً من أصل أربعة يحمل الجنسية البريطانية. ويبدو أن طريقهم المفضل عبر تركيا، حيث يشقون طريقهم نحو مقرات الإرهابيين في مدينة الرقة السورية لتلقي دورة توجيهية، قبل الحصول على أوامر وجهة سيرهم. وكانت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» تبث مقابلات على الهواء مع مسلمين بريطانيين شباب لحفظ وتوثيق وجهة نظرهم حول مفهوم الخلافة. وقد كانت إجاباتهم مثيرة للقلق. فمعظمهم يدعم الفكرة إلى هذا الحد أو ذلك. وقبل أيام، وقع نظري بالمصادفة على فيديو نشره حزب التحرير للدعاية لمؤتمر حول إعادة تأسيس الخلافة سيعقد في مدينة برنت في لندن ذات الحكم المحلي.
أسباب ممكنة
وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أشار، أخيراً، إلى أن تنظيم «داعش» بمثابة سرطان. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يعلن عن «علاج» شامل له؟ ربما لأن قرع طبول الحرب الشاملة ضد هذا الداء لا يلائم الرأي العام الأميركي الذي يتجنب أي صراع، أو ربما يدرك أوباما أن التعقيدات المنطوية ستتطلب إعادة تنظيم جيوسياسية في الظاهر بلا طائل.
وقطع دابر تنظيم «داعش» حتى لا يعيث فساداً في الأرض يتطلب كبت مشاعر النفور في سبيل التعاون مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد. يقول رئيس هيئة الأركان المشتركة للولايات المتحدة، مارتن دمبسي: إن متطرفي «داعش» لا يمكن هزيمتهم إلا إذا جرى التصدي لهم في سوريا.
وكلما ازدادت الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» حشد مزيداً من العقول الضعيفة، الأمر الذي يمثل الخطر الأكبر على المنطقة وخارجها.
الرد المطلوب
من غير المفيد إخراج تنظيم «داعش» من العراق فقط ليسرع المتطرفون بالعودة إلى سوريا يلعقون جراحهم استعداداً للقتال مجدداً في يوم آخر. ومستشارة الأسد بثينة شعبان ظهرت على الهواء طالبة مساعدة دولية. وقيل إن أوباما يفكر في توسيع الضربات الجوية إلى سوريا بشرط عدم ذهاب الولايات المتحدة بمفردها من دون مساعدة.
والعلاقة الجليدية بين الولايات المتحدة وروسيا ليست مواتية لإيجاد جبهة موحدة هناك. وينبغي على واشنطن وموسكو أن تضما قواتهما لسحق هذا التهديد. ويتعين على البلدان المجاورة لسوريا والعراق أن تتعاون في مجال الأمن والاستخبارات وحرمان حرية المرور للإرهابيين المشتبه فيهم.
وإطالة أمد رد مترهل وضعيف وغير متماسك على هذا الكيان الشنيع يعد أمراً غير مسؤول بشكل صارخ.
