حصد رئيس الوزراء العراقي المكلف، حيدر العبادي، الترحيب بوصفه المنقذ المرتقب للبلاد. وتتخبط السياسة العراقية منذ عدة شهور في حالة من الفوضى المطبقة، في ظل حالة الجمود السياسي في البرلمان، ووجود حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي ذي النزعة السلطوية، وتوسع رقعة التمرد «الداعشي» شمال العراق. ويعتقد المشرعون في الولايات المتحدة والدول الأخرى أن إنهاء حالة الطوارئ يستوجب توجه القادة السياسيين في العراق نحو بناء حكومة توزع السلطة بين المجموعات العراقية الطائفية والعرقية الرئيسية في البلاد. وتنعقد الآمال على العبادي الذي تم اختياره بدعم من السنة، والشيعة، والأكراد لتحقيق الأمر.
ويشكل تعيين العبادي فرصة مرحباً بها، إلا أن نظام تقاسم السلطة، الذي أسفر عن تعيينه، يعتبر جزءاً من سبب اضطراب الوضع السياسي أصلاً. لا يكفي ببساطة أن تتعاون الطوائف المختلفة على اختيار قائد سياسي معين أو تأليف حكومة، إنما يتطلب التوصل إلى استقرار حقيقي في بغداد إنشاء مؤسسات قادرة على حلّ النزاعات السياسية المتكررة.
أسفر تمكين بعض الفصائل السياسية في العراق، عوضاً عن المؤسسات السياسية للبلاد، عن فشل الترتيبات المتقاسمة للسلطة في مواكبة التغييرات الطبيعية لموازين القوى. فبالنظر إلى عهد المالكي كرئيس للحكومة نرى أن الولايات المتحدة قد دعمته كمرشح تسوية، على أمل أن ينعكس تعيينه استقراراً في البلاد، ويتيح لواشنطن نقل المسؤوليات الأمنية إلى الحكومة العراقية. اعتبر المالكي قادراً على الموازنة بين القطبين السياسيين الشيعيين الأقوى في البلاد، المتمثلين بالصدريين من جهة والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي. ووعد اختياره بالحفاظ على السيادة الشيعية من دون المسّ بدور الفصائل الأخرى.
إلا أن الترتيب المعمول به لم يثبت استدامته بحيث سعى رئيس الوزراء إلى التحلل من قيود المنصب ضعيف الهيكلية. واندرجت حملة المالكي ضد جيش المهدي الصدري في البصرة ضمن هذا الإطار، حيث هدف المالكي من خلالها إلى إحكام سيطرته على الفصائل التي تحدّ من سلطاته، وسعى بعد أن ضمن تحقيق مبتغاه إلى استهداف الخصوم السنة والقضاء بالتالي على فرصة تحقيق أي تقدم سياسي.
لطالما حبّذ نظام تقاسم السلطة الهش اختيار قادة ينقصهم أساس الحصول على سلطات مستقلة من داخل الحكومة أو خارجها، ودفعهم بالتالي إلى إيجاد طرق خاصة بهم لنيل السلطة المطلقة. ويجد العبادي اليوم نفسه في موقع المالكي الذي يدين بتوليه منصبه للجهات الداعمة عينها. كما أنه يرث المؤسسات الضعيفة ذاتها بما قد يجره نحو اتباع طريق المالكي ذاته.
ويبقى الاختبار الأهم للعبادي متمثلاً في طريقة إدارته الحرب ضد «داعش». حيث ستكون تلك فرصته الأولى لإبراز جدوى إنعاش مؤسسات الدولة. وسيتعين عليه استنباط وسائل تنظيم الخصوم السنة المحتملين لمجابهة «داعش» تحت مظلة سلطة الدولة. يواجه العبادي تحدياً تحويلي الطابع في بلد يعتمد فيه الأمن على ولاءات شخصية أكثر منها ولاءات وطنية.
يشكل تطوير المؤسسات في العراق عملية صعبة، لا بد من إنجازها بكل الطرق. ولا يمكن للولايات المتحدة، سيما بحضورها العسكري المحدود، أن تتحكم في المسار الذي ستتخذه البلاد، ولا أن تتوقع أن تحلّ صفقة تقاسم السلطة مشكلات العراق السياسية. إذا أرادت واشنطن ترك تأثير إيجابي، فعليها التركيز على إعادة تطوير العلاقات الدبلوماسية، والعسكرية، والاقتصادية لتجعل منها شريكاً لدولة العراق وليس لفصائل محددة. لكن السياسة الأميركية، لسوء الحظ، تتخذ منحىً معاكساً يدعو قادة العراق إلى التوصل لتسوية كبرى على مبدأ تقاسم السلطات وتفادي الوعود طويلة الأمد إزاء العراقيين الذين اختاروا السير في الطريق الوطني القومي.
المؤسسات والمصالح
الدرس الذي ينبغي تعلمه في بلدان كالعراق هو أن المؤسسات لا تكتسب أية سلطات مستقلة إلا إذا كانت تخدم مصالح قوية. لكن لايزال من الصعب التكهن ما إذا كان العبادي مهتماً أو قادراً على إيجاد نظام سياسي من هذا النوع.
