يُعد قرار نوري المالكي بالتنحي عن منصب رئيس وزراء العراق تطوراً مرحباً به. وكان المالكي شخصية مثيرة للجدل.
ويتحمل شطراً كبيراً من مسؤولية تقويض المؤسسات الديمقراطية حديثة الولادة في العراق، وفبركة الاتهامات لإجبار خصومه على الخروج من العملية السياسية، وإقصاء السنة والأكراد والتيار الصدري، وتقويض قيادة وإدارة قوات الأمن العراقية. وسيتوجب على رئيس الوزراء المُكلف حيدر العبادي التغلب على هذه العقبات الكبيرة، لمنع تفكك مأساوي ودموي محتمل للبلاد.
توافق النخب
ولكن المالكي لا يتحمل المسؤولية وحده عن مشكلات العراق. فبعد عام 2003، أنشأ مسؤولون أميركيون ومنفيون عراقيون كانوا قد عادوا إلى العراق النظام الحالي القائم على السياسات العرقية والطائفية، مما أنتج حكومة مختلة وظيفيا تفتقر إلى أي برنامج سياسي، وأسهم في إضعاف الهوية الوطنية.
وأمام العبادي فرصة للتوسط في اتفاق جديد بين النخب العراقية بشأن كيفية إدارة البلاد. ويجب تنحية السلطة عن المركز ونقلها إلى المستويات الإقليمية والمحلية.
ويشير البعض إلى ضرورة تقسيم العراق لثلاث مناطق عرقية وطائفية. ولكن كيف ستُحل قضايا الحدود والنفط والمياه؟ في الواقع، قد يكون هذا الاقتراح وصفة لمفاقمة وإدامة الصراعات القائمة.
وقد يفضي إلى إيجاد منطقة سنية فقيرة تشكل تهديداً لجيرانها، عبر صراع لا ينتهي أبداً بين جماعاتها المتطرفة وملاك الأراضي وزعماء القبائل. وقد تصبح المنطقة التي تتركز فيها نسبة كبيرة من الشيعة منطقة تقع تحت الوصاية الإيرانية، وقد تشكل الثروة النفطية الضخمة في هذه المنطقة مصدرا إضافيا لشحن وتأجيج الانقسامات الطائفية.
وقد تصبح كردستان كيانا مغلقا جغرافيا لا يتصل بالبحر ويعتمد على تركيا. ويجب أن تتضمن أي صفقة جديدة سبلاً لتوزيع الثروة النفطية بعيداً عن المركز، فضلاً عن بناء اقتصاد محلي أكثر تنوعا واستدامة.
تحديات كبيرة
وفي هذه الأثناء، يواجه العراق تهديدا متزايدا من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، الذي يسيطر على حوالي ثلث أراضي العراق.
وتدعم كل من الولايات المتحدة وبغداد قوات البيشمركة الكردية بالقوات الجوية وبالأسلحة والذخيرة للمساعدة في احتواء تقدم تنظيم الدولة الإسلامية وحماية الأيزيديين والمسيحيين. ويتوجب على رئيس الوزراء الجديد العمل على بناء توافق بين النخبة في البلاد، حول كيفية مواجهة التنظيم وكسب تأييد الشعب العراقي.
وفي نهاية المطاف، يمكن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية من قبل السنة فقط. ولكسب تأييدهم يجب أن تكون الحكومة العراقية الجديدة شاملة، وتتناول المظالم السنية المشروعة، وتسمح بتوظيف القوى السنية المحلية في قوات الأمن العراقية.
التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة كبيرة. ومن المؤكد أن نضالها سيكون شاقاً. ويجب أن يُظهر رئيس الوزراء العراقي المكلف حيدر العبادي للشعب العراقي وللمنطقة أن الاختيار لا يكمن بين النظام الطائفي وبين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش».
وبدلاً عن ذلك، فإن الخيار الأفضل هو تقاسم السلطة بين النخب وبين حكومة لامركزية. ولمساعدة رئيس الوزراء العراقي على النجاح، لا بد من أن يحظى بدعــم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وجميع الدول المجاورة للعراق كذلك.
معادلة جديدة
بالنظر للحكم الذاتي الذي تُمارسه كردستان، يجب أن يكون هناك إطار جديد للعلاقة بين بغداد وأربيل. ويحتاج بقية العراق إلى عملية لا مركزة راديكالية للسلطة، من شأنها إحياء مزيد من الثقافات المحلية، والتقليل من التعاون المُدمر الناجم عن الاستقطاب الطائفي.
وعلى سبيل المثال، تختلف الأنبار عن الموصل اجتماعيا وثقافيا، ونظرا لمواردهما يمكنهما التركيز على أنظمة الحكم للتعامل مع احتياجاتهم الخاصة.

