كانت لفشل المؤسسات السياسية في ليبيا عواقب وخيمة. فالطابع العنيف للثورة الليبية، على النقيض من ثورات أخرى قامت عام 2011 في انتفاضات الربيع العربي، بما في ذلك تلك التي قامت في سوريا في بداياتها، لم يساعد في إنجاح عمل المؤسسات الليبية.
وسعت الميليشيات التي ثارت ضد القذافي لفرض شروطها والفوز بالسلطة باستخدام القوة. وكانت الحكومة المؤقتة أضعف من أن تواجه الميليشيات التي تشن الآن حرباً مؤقتة في طرابلس وبنغازي على أسس أيديولوجية.
وأصبحت المساحات من ليبيا التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة، المكان المناسب للمنظمات المتطرفة الدولية للتجنيد، وكذلك لتمرير محتويات مخازن الأسلحة عبر الحدود التي يسهُل اختراقها وصولاً إلى تونس والجزائر ومالي.
الوضع الصعب
الوضع في ليبيا صعب للغاية، ولكن لا تزال هناك خطوات على الرئيس الأميركي باراك أوباما والمجتمع الدولي اتخاذها.
وفي الوقت الحالي، تمر عملية الانتقال السياسي في ليبيا عبر أربعة مسارات مفككة، وهي : آليات عمل البرلمان الجديد، والجهود المبذولة لاختيار حكومة جديدة، وعملية كتابة الدستور، والحوار الوطني المدعوم من الأمم المتحدة، والذي يهدف للتوسط لإبرام اتفاق واسع على المبادئ التأسيسية للدولة الليبية. وهذه المسارات غير منسقة على الإطلاق، وهي جميعها باستثناء الحوار الوطني كانت هدفاً للعنف.
وفي حديث مع طارق متري، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، كان الخيار واضحاً جداً، وهو : إما أن تُعطى بعثة الأمم المتحدة الإمكانيات العسكرية والمتعلقة ببناء المؤسسات لمساعدة الأغلبية المسالمة من السكان، أو يتوجب عليها ترك ليبيا. وقد أجلت الأمم المتحدة موظفيها الأجانب، بفعل تزايد المخاطر الأمنية في طرابلس.
ورغم الإجلاء الذي تم في السادس من أغسطس، دعا البرلمان المنتخب حديثاً الأمم المتحدة إلى التوسط والإشراف على وقف إطلاق النار بين الميليشيات، وفعلا دعت المنظمة الدولية إلى وقف إطلاق نار تم التوصل اليه عبر «الوسائل السياسية»، مُبينة أنه «عادة، لا يمكن فرض هذه الحلول بالقوة».
وقال مسؤولون في البعثة إنها ستعود بمجرد تحسن الوضع الأمني، وأنه ينبغي عليها ذلك، ولكن في حال توفرت الموارد اللازمة لإحياء الروح الفريدة من الوحدة، التي سادت عقب مقتل القذافي بقليل.
دور الأمم المتحدة
ويتوجب أن يفتح دور الأمم المتحدة في التوسط للسلام مجالاً للمجتمع الدولي لفرض مزيد من السيطرة على عملية التحول السياسي، وذلك على غرار الحال في اليمن، والتي تمت مزاولة الحكم فيها عبر اتفاقية متعددة الأطراف منذ عام 2011.
وتحتاج المؤسسات الليبية الضعيفة مساعدة أطراف خارجية. وفي هذا الشأن يُشار إلى السابقة الليبية، وهي أن اللجنة الدستورية الحالية شُكلت عقب إشراف الأمم المتحدة على عملية وضع الدستور الليبي عام 1951.
ويتطلب تنفيذ برنامج مساعدات جديد في ليبيا بناء قوة عسكرية نشطة تحت إشراف حلف شمال الأطلسي «ناتو». ويجب على ليبيا أيضا إعادة تنشيط عمليات بناء المؤسسات المتوقفة، والعمل لوضع دستور شامل، وتشكيل حكومة قادرة على إقناع قادة الميليشيات بالتخلي عن أسلحتهم، وإلا دفعت البلاد ثمناً مادياً وسياسياً وعسكرياً لقاء تخليها عن فعل ذلك.
وكما هي الحال في بلدان أخرى في الشرق الأوسط تخلو من الطغاة، يسعى الليبيون إلى تشكيل حكومة من شأنها توفير الأمن والسيطرة على العنف. وإذا تحرك الرئيس الأميركي بارك أوباما لتحصيل الدعم الذي تحتاجه ليبيا، فلربما لن يندم على ذلك.
القوة المطلوبة
يتطلب تعيين حكومة ليبية جديدة التزاماً دبلوماسياً يقوده المجتمع الدولي. ويجب على رئيس الوزراء المقبل أن يكون قادرا على العمل دون أن يكون للميليشيات حق النقض الذي تمارسه بالترهيب.
وبتقديم الدعم الضروري من الاتحاد الأوروبي، ينبغي أن تعيد الأمم المتحدة النظر بطلب تقدم به في العام الماضي رئيس الوزراء الليبي آنذاك، علي زيدان، والقاضي بتدريب وتمويل قوة النخبة الليبية العسكرية لحماية المؤسسات الحكومية.

