تدمير القطاع جزء من مخطط تنفذه تل أبيب بدعم غربي

العدوان على غزة جريمة إسرائيلية - أميركية مشتركة

بقيت غزة وبقيت آثار العدوان أرشيفية

ت + ت - الحجم الطبيعي

 

يبدو أن الاشمئزاز العالمي من المذبحة التي تذهل العقل جراء الهجوم الإسرائيلي على غزة حفز، أخيرا، بعض السياسيين الغربيين على رفع الصوت عاليا بشأنها. وشجعت استقالة سعيدة وارسي، أول وزيرة مسلمة في مجلس الوزراء البريطاني، احتجاجا على ما قالت إنه أمر «لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا» قاصدة موقف حكومتها - شجعت نك كليج، نائب رئيس الوزراء البريطاني، للمطالبة بوقف تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. وخلال الفترة الماضية دان إد ميليباند، زعيم حزب العمل البريطاني الغزو الإسرائيلي، وما وصفه بـ«صمت رئيس الوزراء البريطاني عن قتل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء». واستنكرت الإدارة الأميركية أيضا القصف الاستراتيجي «المشين» لمدرسة بغزة تابعة للأونروا، في حين وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما معاناة الفلسطينيين بأنها «مفجعة»، كما لو أن ليس بإمكانه فعل شيء حيال ذلك.

مفاوضات وقف النار

وربما الآن، بعد أن وصل الإسرائيليون والفلسطينيون إلى القاهرة للعمل على تحويل وقف إطلاق النار إلى شيء أكثر ديمومة، قد يشعر المرء بأن اتخاذ موقف ما أصبح أكثر أمانا. إلا أن شهرا كاملا من القتل العشوائي الوحشي، الذي قضى فيه زهاء الفي فلسطيني ونحو 70 إسرائيليا، لا يزال حاضرا في بال الغرب باعتباره بحسب ما تسميه إسرائيل، حرب الدفاع عن النفس، وليس امتدادا لعقود من المواجهات بين المُحتل والخاضع للاحتلال، التي وقفت فيها الحكومات الغربية بجانب المُحتل.

ومع أن الغالبية العظمى من القتلى الفلسطينيين هم من المدنيين، ومنهم 430 طفلا، بينما 64 من القتلى الإسرائيليين هم جنود، فإن حماس هي من وُصفت في الغرب بالمنظمة الإرهابية، وذلك بدلا من إطلاق هذا الوصف على القوات الإسرائيلية، المُجهزة بأكثر أنواع التكنولوجيا العسكرية تطورا في العالم. ومن الضروري الالتفات إلى ماذا سيكون عليه رد فعل العالم في حال كان مجموع هؤلاء القتلى من الجانب الإسرائيلي، لنكتشف وقتها كيف سيكون رد فعل العالم حافلا بالغضب، ونرى تدرج ميزان الغضب الأخلاقي الغربي تجاه الفلسطينيين، وانتقائيته في اتخاذ إجراء معين حيال ذلك. وفقط عبر إنكار كامل تاريخ الصراع بين الطرفين، يمكن تصوير جموع القتلى هذه على أنها نتيجة كراهية عرقية قديمة نشأت بين الجانبين.

ويجب أخذ العبر من الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الصدد يدعي رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن الحرب خيضت من أجل الحرية. وفي الواقع، كانت مذبحة صناعية ارتكبتها عصابة من القوى الاستعمارية لتقسيم الأراضي والأسواق والموارد.

وبعيدا عن الدفاع عن الديمقراطية أو حقوق الدول الصغيرة، فإن كلا من بريطانيا وفرنسا أنهتا الحرب بتقاسمهما حصص الإمبراطوريتين المهزومتين الألمانية والعثمانية، أي المسافة الممتدة من العراق حتى فلسطين. وبعد مضي قرن على ذلك، لا نزال نعيش عواقب ذلك الأمر.

وفي عائلتي، خسرت جدتاي اخوة في الحرب بين الأعوام 1914-1918. أحدهم كان جورج ماكاي كلارك، الذي قاتل مع القوات الملكية الاسكتلندية في معركة غاليبولي، والحملة على فلسطين. وقتل في نوفمبر عام 1917، على حدود غزة.

الوعد المشؤوم

وقبل أيام قليلة على مقتله، وقع وزير خارجية بريطانيا وعد بلفور، الذي وعد فيه نيابة عن شعب واحد فقط شعبا ثانيا بثلث أرض شعب ثالث. فلسطين ستكون «وطنا قوميا لليهود» بشرط ألا يُخل بشيء من حقوق «الطوائف غير اليهودية الموجودة»، وهو الوصف الذي اطلق وقتها على الفلسطينيين.

هكذا بدأ الاستعمار واسع النطاق المكون من المستوطنين الأوروبيين في الأساس شيئا يمكن أن يتم فقط تحت حكم استعماري، والذي قاد بعد ثلاثة عقود إلى قيام دولة إسرائيل وتشريد أو طرد غالبية الشعب الفلسطيني. وبعد اندلاع أربع حروب عربية إسرائيلية، خصص 44% من فلسطين للأغلبية الفلسطينية، وذلك في إطار خطة الأمم المتحدة للتقسيم 1947، واحتلت فلسطين بالكامل من قبل إسرائيل، وكان الفلسطينيون يخوضون حرب عصابات من أجل حق تقرير المصير وحق عودة اللاجئين. وقد اطلعت، أخيرا، على نسخة من مجلة «نيوزويك» يرجع تاريخها إلى مايو عام 1978، وبها صورة لدبابة إسرائيلية على غلاف تحت عنوان «إسرائيل ترد الضربة». وآنذاك عاقبت إسرائيل جنوب لبنان، وليس غزة، واستهدفت من أسمتهم وقتها بـ«الإرهابيين»، وهم أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، وليس حماس.

فشل إسرائيلي

فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها بعد شهر من بدئها العدوان على غزة. ونفذت عملية «جز العشب»، كما يحب الجيش الاسرائيلي وصف حملة الدمار وإراقة الدماء التي يشنها على غزة. لكن حماس عززت مواجهاتها وأداءها العسكري. وبالكاد قللت الهجمات الإسرائيلية عدد الصواريخ المُطلقة من قبل حماس. ودعمت حملة العدوان الإسرائيلي الجبهة المتحدة مع الجماعات الفلسطينية الأخرى، والتي حرصت إسرائيل على تدميرها.

لقد تحول الرأي العام العالمي بشكل حاسم لصالح عدالة القضية الفلسطينية. والمطلوب هو تحويل هذا الأمر إلى ضغط كبير جدا لوضع حد لدعم الاحتلال، وحظر الحصار المسلح والعقوبات التي تفرضها إسرائيل على فلسطين. الرعب في غزة هو جريمة مقترفة في واشنطن ولندن، وكذلك في تل أبيب.

طباعة Email