العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تضخيم إسرائيل لتهديد الصواريخ ارتد لصالح حركة حماس

    غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى اهتمام العالم

    صورة

    فيما دمرت غزة بفعل نوبة جديدة من العدوان، ما الذي أنجزته إسرائيل بقصفها وتدخلها البري على مدى ما يقرب من الشهر؟ النــــتائج تبدو شبيهة بنــتائج حروب إسرائيل السابقة في لبنان وغزة: قوة نارية هائلة تستخدم لإلحاق أفدح الخسائر في الجانب الآخر، والأغلبية العظمى من الضـــحايا من المدنيين، لكن مع مضي الحرب قدماً، وجد القادة الإسرائيليون أن تفوقهم العسكري يفشل في تحقيق مكاسب سياسية تستحق المقارنة.

    والأسوأ، من وجهة النظر الإسرائيلية، هو أن الفلسطينيين، وفي هذه الحالة حركة حماس، أصبحوا في وضع أقوى مما كانوا عليه منذ شهر مضى.

    ومن خلال أفعالها، وضعت إسرائيل القضية الفلسطينية بقوة مرة أخرى على جدول أعمال المجتمع الدولي، حيث كانت قد اختفت إلى حد كبير منذ الانتفاضات العربية في عام 2011، فقبل بضعة أشهر فقط، رثى لي صديق متعاطف مع الفلسطينيين أنه في أسفاره في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي نادراً ما سمع عبارة «فلسطيني» أو «فلسطينيين». وغزة أخيراً، وبتكلفة رهيبة على سكانها، قد غيرت كل ذلك الآن.

    معاناة غير مرئية

    وفي العادة، فإن معاناة الأربعة ملايين فلسطيني المحاصرين في غزة والضفة الغربية غير المرئية للناس في باقي أنحاء العالم، لكن خلال الشهر الماضي رأينا ليلة تلو الأخرى، صوراً لعائلات فلسطينية مع أطفالهم المشوهين والمرعوبين وهم يبحثون عبثاً عن الأمان وسط المنازل المدمرة والمستشفيات.

    وقد بدا الناطقون الرسميون الإسرائيليون مخادعين ومراوغين بلا رحمة، في زعمهم أنه لا يوجد دليل على مسؤولية إسرائيل عن قصف مستشفى الأمم المتحدة أو ملعب للأطفال، مشيرين إلى أن صاروخاً لحماس ربما قصر عن مداه وأصابها.

    وهذا النفي والتهرب قد ينجح في حرب قصيرة، لكن مع سقوط هذا العدد الهائل من الأطفال الفلسطينيين، فإنه يسهم فقط في إقناع العالم بأن الإسرائيليين لا يبالون بعدد الفلسطينيين الذين يقتلونهم.

    والسبب وراء شن إسرائيل تلك الصراعات المحدودة، إذ ليس هناك حرب شاملة منذ غزو لبنان، يكمن في إظهار قوتها الفجة، لكن مع كل جولة، يظهر في الوقت نفسه محدودية تلك القوة في الوصول إلى أي وضع ينهي المواجهة طويلة الأمد لإسرائيل مع الفلسطينيين.

    فمع كل القوة النارية المدمرة لسلاح الجو الإسرائيلي ودبابات إسرائيل ومدفعيتها الموظفة ضد بضعة آلاف من رجال حماس المسلحين، فإنه من غير المرجح القضاء عليهم بشكل دائم وتحقيق نصر عسكري حاسم.

    وحتى لو فعلت إسرائيل ذلك، فإن النصر لن يكون قاطعاً، حيث إن شعور الفلسطينيين بالظلم والاضطهاد هو على درجة كبيرة من الشدة، حيث إن بعض الجماعات المسلحة الأخرى ستأخذ مكان حماس سريعاً.

    ولقد توصلت إلى الاعتقاد أنه يوجد سبب آخر مــــن شأنه أن يفسر لماذا يخوض الإسرائيليون تلك الحروب الدامية لكن غير المجدية.

    وهذا الوضع عبر عنه جيدا الكاتب والناشط الإسرائيلي من أجل السلام يوري أفينيري، عندما كتب يقول إن الجيش الإسرائيلي مليء «بمراهقين يلقنون روح الضحية والتفوق اليهوديين من سن الثلاث سنوات». وينطبق الأمر نفسه على معظم المجتمع الإسرائيلي المتبقي.

    تضخيم التهديد

    وكل معارض لإسرائيل، بمعزل عن ضعفه، يعامل من قبل الحكومة الإسرائيلية وعدد كبير من وسائل الإعلام الإسرائيلية على أنه يمثل تهديداً وجودياً. ومن المفارقة أن تضخيم التهديد المتعمد من جانب الحكومة الإسرائيلية ارتد لصالح حماس. ويطلق جناح «حماس» العسكري الصواريخ على إسرائيل.

    وهذه الهجمات غير الفعالة إلى حد بعيد لأن إسرائيل لديها منظومة القبة الحديدية التي تعترض الصواريخ، بيد أن قادة إسرائيل يقومون بمهمة «حماس» من خلال أخبار السكان أن هذه الحركة تشكل تهديداً لوجودهم. ويتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن «أنفاق الرعب» كما لو أنها تقوض كل بيت في إسرائيل.

    والإسرائيليون يصدقون كثيراً دعايتهم الخاصة، فقد قال الكاتب والهجائي من القرن الثامن عشر، الدكتور اربثنوت إن: «جميع الأحزاب السياسية تموت أخيرا من ابتلاع أكاذيبها». ويصح الأمر على الدول التي ترى العالم حولها من خلال عدسات مشوهة بأساطير دعايتها الخاصة.

     ويتحول الإسرائيليون عن الحقيقة البسيطة، التي جرى إثباتها منذ حرب عام 1967، ومفادها أنهم لن ينعموا بسلام دائم طالما أنهم يحتلون الضفة الغربية ،ويحاصرون غزة.

    الفارق الحاسم

    كنا في هذا الوضع مرات عدة من قبل، والتدخل الإسرائيلي الأسوأ تمثل في غزو لبنان عام 1982. وكنت حينها في مخيمي صبرا وشاتيلا، بعد مذبحة 1700 فلسطيني على يد الميليشيات المسيحية التي لم يكن من الممكن وجودها هناك لولا الإجراءات الإسرائيلية. وعندما أرى صور القتلى في غزة، أشعر بأنني ما زلت قادراً على شم الرائحة المثيرة للغثيان للجثث، التي كانت تتعفن في شمس شهر سبتمبر الساخن حينها.

    لكن ليس كل شيء في غزة مشابهاً للأوضاع في لبنان عام 1982، أو غزة عام 2008. ويكمن الفارق الحاسم في كون البلدان المجاورة لإسرائيل في تلك الأوقات كانت مستقرة نسبياً، أو على الأقل لديها حكومات محكمة السيطرة على زمام الأمور. ولا شيء يمكن أن يكون مختلفاً هذا الصيف، وحرب غزة تضيف إلى مشاعر الأزمة العامة.

    طباعة Email