أثار صعود الصين أسئلة عديدة بالنسبة للغرب، وتساءل البعض عما إذا كانت الصين مصممة على انتزاع دور أوروبا القيادي العالمي.

وكما قال أحد كتاب الأعمدة : «ليس هناك الكثير أمام الحكومات الأوروبية لتفعله في شرقي آسيا، باستثناء أن تخدم كمديرين للتسويق في مشاريعها المحلية».

ومن دون ثقلها الدبلوماسي والعسكري للتأثير في المنطقة، فإن من الأفضل لأوروبا ترك هذا الحمل الثقيل للولايات المتحدة الأميركية. ولكن الأمر قد لا يسير على هذا النهج.

أوروبا والصين

وبالنسبة إلى أوروبا، فإن نتائج صعود الصين بعيدة المدى، بدأت بالاستراتيجية الأميركية المتجهة نحو آسيا. فبعد مرور أكثر من 70 سنة على كون أوروبا أولى أولويات الولايات المتحدة، بدأت تفقد وضعها المتميز في عيون صناع القرار السياسي الأميركيين.

بل وأكثر من ذلك، فالمشتريات الأوروبية التكنولوجية المتطورة جدا، ذات الاستخدام المزدوج، التي تُعقد الدور الأميركي في الحفاظ على الأمن في آسيا، لا بد وأن تخلق بعضا من الاحتكاك.

ومع ذلك، فالتحذيرات من أن الشراكة مع الأطلسي بدأت تتآكل لا مبرر لها. أما عن مسألة أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أبدلت مصطلح «التمحور»، الذي يتضمن معنى الصد عن شيء ما بمصطلح «إعادة التوازن» فهذا أمر يطلعنا على الكثير.

ويعكس هذا التغير الاعتراف بأن هيمنة الاقتصاد الصيني الصاعد لا تنفي أهمية الاتحاد الأوروبي، الذي يبقى أكبر كيان اقتصادي في العالم، ومصدرا أساسيا للابتكار الاقتصادي، فضلا عن قيم مثل حقوق الإنسان.

وغالبا ما يحذر المؤرخون من أن القلق والشك المتولدين من نشوء قوة عالمية جديدة، مثل الصين، يمكن أن يجر صراعا خطيرا، على غرار ذلك الذي عاشته أوروبا قبل قرن من الزمن، عندما تفوقت ألمانيا على بريطانيا من حيث الإنتاج الصناعي.

وبالنظر إلى النزاعات الإقليمية والتوترات التاريخية في آسيا، فالحفاظ على استقرار الأمن في المنطقة أمر ليس بالهين. ولكن هناك عوامل قد تساعد على ذلك.

سياسة الدمج

ففي تسعينيات القرن العشرين، عندما درست إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون كيف ترد على قوة الصين الاقتصادية المتعاظمة، أشار البعض بتبني سياسة الاحتواء.

إلا أن كلينتون رفض هذه النصيحة، قائلا: من المستحيل تشكيل حلف مناهض للصين، لا سيما مع الرغبة الدائمة لجيرانها للاحتفاظ بعلاقة جيدة معها، والأهم من ذلك، أن سياسة الاحتواء قد تولد عداء مستقبليا مع الصين.

وبدلا من الاحتواء، اختار كلينتون ما يمكن تسميتها سياسة «الدمج والضمان». وبينما رحب بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، أحيت أميركا معاهدتها للأمن مع اليابان.

وعلى العكس من ادعاءات بعض المحللين، لا تعتبر الصين دولة ثورية، مثل ألمانيا النازية أو الاتحاد السوفييتي، اللتين كانتا متعطشتين للإطاحة بالنظام الدولي القائم.

وفي الحقيقة، لا تهتم الصين بتدمير المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، أو منظمة التجارة العالمية، أو صندوق النقد الدولي، التي ساعدتها في صعودها الاقتصادي هذا.

وبالنظر إلى الدور الأوروبي القيادي المتمثل في هكذا مؤسسات، فإن هذه الأخيرة قد تساعد الصين على الاضطلاع بالشرعية متعددة الأطراف التي تسعى لنيلها، في مقابل سلوك مسؤول تبديه.

وعلى الرغم من أن الصين لا تحاول قلب النظام العالمي، فهي تخوض حاليا تحولا عميقا يزعزع الاستقرار.

ومع صعود قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، وما يسمى بالإرهاب، وانتشار الأوبئة، والجريمة السيبرانية، المتأتية من التقدم التكنولوجي المتسارع والتغير الاجتماعي، فإن القوة لا تنتشر بين الدول فقط، بل بين شريحة واسعة من الكيانات اللا حكومية.

وعليه فالتصدي لهذه التحديات يتطلب شراكة دولية واسعة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، بحيث يقوم كل منها بدور مهم.

الحقوق الفردية

هناك سؤال يتعلق بالقيم. فأوروبا بالتعاون مع الولايات المتحدة قاومتا المطالب الصينية والروسية لفرض رقابة أكبر على الإنترنت. وذلك بينما تلقت دول أوروبية مثل ألمانيا والنرويج طواعية ضربات اقتصادية باسم حقوق الإنسان.

وينظر بترقب إلى ما إذا كانت مصالح الصين الاقتصادية في النظام العالمي التي تستند إلى القانون الدولي، ستقود إلى تنمية الحقوق الفردية لمواطنيها.

والصين وحدها هي من ستحدد ذلك. ولكن أوروبا يمكنها أن تكون حجة قوية للدفاع عن ذلك، بما تملكه من مؤسسات دولية.