عاد بعض من أبغض الشخصيات وأكثرها نفوذاً في حكومة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، بهدوء إنما بثقة متزايدة، من السجن إلى بيوتهم أخيراً، وكان هؤلاء يحيون الأصدقاء والعائلات في الفيلات الفخمة التي يملكونها. والمسؤولون السابقون الذين سجنوا في الأشهر التي تلت انتفاضة الربيع العربي، كانوا المستفيدين من التحول في ميزان القوى في تونس منذ الصيف الماضي، ومن تساهل المحاكم العسكرية المتزايد التي كانت تحاكمهم.

وقد عاد خمسة من كبار المسؤولين في الحكومة السابقة أخيراً، بمن في ذلك وزير الداخلية التونسي السابق وقت الثورة رفيق حاج قاسم، ومدير عام الأمن الرئاسي علي السرياطي، وتم إطلاق سراحهم بعد تخفيض محاكم الاستئناف العقوبة للمدة التي قضوها في السجن. وكان قد أفرج عن الأمين العام السابق للحزب الحاكم محمد الغرياني في الصيف الماضي، وهو حالياً مستشار للمرشح الأوفر حظا للرئاسة الباجي قايد السبسي.

وقد أغضبت عمليات الإفراج مؤيدي الثورة، لا سيما أسر المتظاهرين الذين استشهدوا خلال الانتفاضة، ويتهمون قادة البلاد ببيعهم في صفقة سياسية والتخلي عن أهداف الثورة الأصلية. وتقول فاطمة أوريغي التي كانت بين حشود أسر الضحايا: «شعرنا جميعا بأن أبناءنا ماتوا من جديد في ذاك اليوم». وابنها أحمد أوريغي البالغ من العمر 24 عاما قتل على يد ضابط في الجيش التونسي في يناير 2011، وهي تتهم الجيش والشرطة بالتواطؤ لتبرئة الجناة، وتتهم السياسيين بالإخفاق في صدهم.

التنازلات السياسية

وعمليات الإفراج تتم فيما تمر تونس بتحول سياسي شبيه بذاك الذي مرت به مصر في يوليو من العام الماضي، عندما خلعت حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي وسيطر الجيش على مقاليد الأمور. وفي تونس، خضعت حركة النهضة الإسلامية لضغوط للتخلي عن السلطة بعد محاولات اغتيال سياسية وازدياد التشدد والاحتجاجات في الشارع.

وفي صراعها من أجل البقاء، فإن حركة النهضة قامت بسلسلة من التنازلات لصالح معارضيها، بما في ذلك التخلي عن خطط لمنع مسؤولي بن علي السابقين من الترشح لمناصب سياسية في ديسمبر، ووافقت على التنحي، حيث تولت حكومة مؤقتة مقاليد الحكم تحضيراً لانتخابات برلمانية في أكتوبر وانتخابات رئاسية بعد ذلك بشهر.

وضباط شرطة وجنود بمراتب دنيا متهمون بإطلاق النار خلال الانتفاضة، عندما قتل ما لا يقل من 320 متظاهرا تلقوا أحكاما مخففة مع وقف التنفيذ أو تمت تبرئتهم من قبل المحاكم العسكرية. وتم انتقاد حكومة «النهضة» لتجاهلها هذه القضية على مدى فترة طويلة من وجودها في السلطة الذي دام سنتين، لكن تلك الحكومة دفعت بقانون حول العدالة الانتقالية في أيامها الأخيرة قبل التنازل لحكومة مؤقتة.

وفيما يندم كثيرون لإهدار فرصة مهمة، فإن القانون الذي أعده وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ولجنة من المحامين والأكاديميين يظهر تونس مجدداً وهي تتلمس طريقها وسط الربيع العربي.

يقول وزير حقوق الإنسان سمير ديلو الذي رعى القانون كوزير عن «النهضة»: «يتعين عليك أن تبدأ في إيجاد الحقيقة ومحاربة الإفلات من العقاب، ثم تصل إلى وضع يمكنك أن تتحرك نحو المصالحة، وأن تطوي الصفحة». أما سهام بن سدرين، رئيسة هيئة «الحقيقة والكرامة»، فقالت إن شهداء الثورة يمثلون أولوية بسبب رمزية الانتفاضة ضد الطغيان، وإن القانون الجديد سوف يسمح بإعادة المحاكمة وتجاوز سقوط التهمة بالتقادم.

العدالة الانتقالية

في ظل قانون العدالة الانتقالية الجديد، تم تفويض لجنة من 15 عضواً في 9 يونيو الماضي للكشف عن حالات القمع ضد المواطنين، منذ أن نالت تونس استقلالها عام 1956. وسوف يعقد هؤلاء جلسات استماع وستكون لهم سلطة التفتيش في أرشيف الحكومة واعتقال أو فرض غرامة على الأشخاص الذين يعترضون عملهم.