السؤال الرئيسي في أي حرب عند البدء بها كما على امتداد فترة الصراع، هو كيف ستنتهي هذه الحرب؟ منذ عام 1967، كان الجواب، في حالة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، التوقف قليلاً، ومن ثم الاستئناف بشكل مختلف مع الانتهاء بالنتيجة نفسها. وفي حالة العدوان على غزة، هناك تغيير متسارع في التكتيكات والتكنولوجيا دون أي أفق، وأفضل نتيجة كانت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار غير مستقر، وأسوأ نتيجة كانت في أعمال قتال منخفضة الشدة جداً بحيث لا يسمح بتسميتها جولة أخرى من الصراع.

والسبب الأولي للحرب في عام 2006، و2012، والآن في عام 2014 كان محاولة جديدة من جانب حركة حماس لتغيير الحقائق الاستراتيجية على الأرض، بالاعتماد بشكل متزايد على الصواريخ والقذائف بدلاً من الحرب غير النظامية في شكل هجمات برية أو بحرية على إسرائيل. وفي كل حالة من تلك الحالات، فإن التفوق العسكري الإسرائيلي الحاسم ترك حركة حماس (وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية الأكثر تشدداً)، في وضع أضعف من ذي قبل، وأدى إلى قتل وجرح فلسطينيين أكثر بكثير من إسرائيليين، وأطال أمد الحصار الاقتصادي الذي شل غزة وخفض مستويات المعيشة والحراك الاجتماعي فيها، وفشل في الحصول على أي تأثير سياسي هادف استفادت منه حركة حماس حتى في تشكيل مكاسب استراتيجية محدودة.

جولات مكلفة

وكانت كل جولة من جولات العدوان أيضاً مكلفة وغير مجدية بالنسبة لإسرائيل. والخسائر الإسرائيلية كانت أقل بكثير لكنها كانت حقيقية بشكل مؤلم في حال حاولت خوض الحرب على الأرض. وقد ارتفعت كلفة العمليات الجوية والبرية بشكل مطرد، كما كلفة الإجراءات الأمنية لردع حركة حماس ولاحتوائها واحتواء تهديدات أخرى في غزة في أوقات السلم. ولقد استعادت حركة حماس قدرتها على تشكيل تهديد، وطورت ببطء قدراتها في استخدام الصواريخ والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون للضرب داخل الأراضي الإسرائيلية، على الرغم من أنها لم تحقق أية فوائد استراتيجية ذات مغزى لنفسها، أو لسكان غزة.

خسائر متزايدة

والجولة الأخيرة من العدوان يمكن قياسها بطرق مختلفة، وتقلصها بعض وسائل الإعلام إلى مستويات تقترب من إحصاءات حدث رياضي: إحصاءات مقارنة عن القتلى والجرحى والمهجرين من منازلهم أو الذين فقدوا منازلهم. وعدد القذائف الصاروخية والصواريخ المطلقة لحركة حماس، وأعداد الصواريخ التي تم اعتراضها أو التي لم ينجم عنها شيء. وعدد الطلعات الجوية الإسرائيلية، وتلك التي ضربت هدفاً عسكرياً أو منزلاً له علاقة بحركة حماس، وعدد الضربات التي تسببت بأضرار جانبية، والتي نتج عنها سقوط ضحايا من المدنيين. والتكاليف العسكرية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لدى الجانبين.

وازدادت «إحصاءات خسائر الحرب» هذه مع مرور كل يوم، وما لن تفعله هو تغيير النتيجة الاستراتيجية لهذه «الحرب». يدعو بعض الإسرائيليين لحرب برية كبيرة جداً بحيث يجري احتلال قطاع غزة بأسره ومطاردة وتدمير حماس والجهاد الإسلامي. وفي الممارسة العملية، مع ذلك، من غير الممكن «جز العشب» إلى النقطة حيث يجري القضاء كلياً على حماس، أو لا يظهر تهديد ما نتيجة لغضب ويأس الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وليست هناك نقطة واضحة، حيث يمكن أن يتوقف الاحتلال الإسرائيلي الجديد، وستواجه إسرائيل معارضة دولية متزايدة على أفعالها.

نتيجة العدوان

والحصيلة النهائية هي أن إسرائيل ربما ستحد جهودها العسكرية عند النقطة التي تشعر بأنها ردعت حركة حماس لفترة من الوقت، وتوجد هدنة جديدة لمدة غير مؤكدة، وتواجه حركة حماس بإنتاج صواريخ جديدة وأكثر تطوراً أو محاولة الحصول على أعداد كبيرة جداً، بحيث إن وابلاً من تلك الصواريخ يمكنه إشباع الدفاعات الصاروخية لإسرائيل والتعويض عن افتقارها إلى الدقة والفتك. وهذه النتيجة يبدو مشكوكاً بأمرها.

ومع ذلك، لن تكون إسرائيل قد فازت إلا على المستوى التكتيكي. وسيكون عليها ضبط جزء كبير من جهودها الأمنية للتعامل مع أي تهديد سيخرج بعد هذه الجولة من العدوان، والتعامل مع تحدي احتواء أكثر من 1.8 مليون شخص، والتعامل مع الخطر الذي تواجهه من عداء الفلسطينيين الأوسع نطاقاً بكثير، وسوف تنهار السلطة الفلسطينية الحالية المعتدلة. ولا يزال عليها أيضاً التعامل مع العداء الواسع النطاق الآتي من العالم العربي وإيران، والتعامل مع ما يراه عدد كبير من البلدان بأنه استخدام مفرط للقوة، وإسرائيل مذنبة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وبعرقلة عملية السلام.

غياب الأفق

الحصيلة النهائية هي أن العدوان على غزة لن ينتهي بأي معنى حقيقي من المعاني. وحصيلة هذه الجولة من خوض الحروب سوف تترك الحقائق الاستراتيجية على الأرض، أقل أو أكثر، حيثما كانت، وهي بعد أن كان ينظر إليها بأنها ضرورية من قبل الجانبين، تصاعدت من دون أفق. والاستراحة الناجمة ستكون تمهيداً لجولة أخرى، ولمزيد من التكاليف الإنسانية.

وإذا قام أحدهم بمقارنة كلفة هذه الجولة مع جولات سابقة، يستحيل رؤية ما حققه أي من الجانبين. إسرائيل ستضطر للتعايش مع حالة من عدم اليقين والخطر المستمر والتهم التي لا مفر منها بأنها استخدمت القوة المفرطة. لكن عندما ينظر المرء إلى الكلفة على المدنيين الفلسطينيين، يستحيل تقدير أي جانب من جوانب نوايا حماس واستراتيجيتها.