قبل أسابيع قليلة خلت، التقيت بمسؤول إسرائيلي كبير في الجيش الإسرائيلي في مقر القيادة العسكرية بتل أبيب. وتطرق حديثنا إلى الحملة الإسرائيلية في الضفة الغربية المُوجهة آنذاك ضد حماس. وأوضح لي المسؤول أن الوضع طبيعي هناك، وأضاف إن القوات الإسرائيلية تحارب حماس منذ سنوات عديدة.

وعندما فكرت في وقت لاحق فيما قاله لي، توقفت عند تعليقه وكذلك عند سؤالي، الذي كان يجب أن أستقي جوابه من قيادة حماس أيضا، لا من الجنرالات والسياسيين الإسرائيليين فحسب.

دور الرأي العام

لماذا في خضم الحرب الثالثة من نوعها منذ أواخر عام 2008 لا يزال كلا الطرفين يعتقد أن نتائج هذه الحرب ستكون مختلفة عن الحربين اللتين سبقتها في غزة بنحو سنتين؟ لأن حماقة الصراع الحالي في غزة لن تغير شيئا على الإطلاق. وعلى الرغم من خطابي كلا الطرفين، لا تستطيع إسرائيل الفوز بأكثر مما قد تخسره حماس.

والأسوأ من ذلك ربما يكمن في حقيقة أن كثيرا من المسؤولين الإسرائيليين الرسميين يفهمون أن هزيمة حماس بالطريقة التي تُرضي الجمهور الإسرائيلي أمر لا يصب في مصلحة إسرائيل، لا سيما أن ذلك سيسمح بنشوء وتمكين مجموعات على شاكلة حماس.

وما رأيناه في الأيام القليلة الماضية، في الحرب التي شهدنا فيها استهداف مناطق للمدنيين بالقنابل والصواريخ ونيران المدفعية البحرية الاسرائيلية، هو أنه صراع الطموح المحدود، والأعمال الانتقامية، التي تتخذ من العنف شكلا من أشكال التفاوض.

وعلى الجانب الإسرائيلي، وبالرغم من عدم تحمس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه العملية في المرحلة التي سبقتها، إلا أنه دُفع قدما إليها بسبب ضغط أعضاء متشددين في حكومته على ضرب غزة بقوة. وبناء على ذلك فإن الحرب هذه تبدو أنها حرب السياسة الإسرائيلية في المقام الأول.

ولم تأت الصواريخ التي انطلقت من غزة، والتي أدعي أنها السبب في بدء الحرب، من فراغ. وإنما جاءت كرد فعل على الاستهداف المتنامي لغزة، في الحرب التي شهدت انتهاكات على كلا الجانبين، وأسواها المتمثل في الغارات الجوية المكثفة التي أعقبت اكتشاف جثث المراهقين الإسرائيليين الثلاثة المخطوفين.

 وفي هذا الصدد، شنت حملة كبيرة على حركة حماس، التي ألقت على عاتقها مسؤولية اغتيال الشبان الإسرائيليين الثلاثة، وعلى الضفة الغربية التي شهدت اعتقالات لمئات الفلسطينيين في مداهمات ليلية.

محادثات السلام

وبعيدا عن كل هذا، كانت هناك حسابات مشؤومة أصبحت الآن منسية تقريبا. فرئيس الوزراء الإسرائيلي، ومدفوعا مرة أخرى باعتبارات سياسية داخل تحالفه، راهن بعد انهيار محادثات السلام التي رعتها الولايات المتحدة الأميركية على أن ما من عملية سلام ستعني العودة إلى الوضع القائم. إلا أن غياب عملية السلام أفضى إلى تصعيد خطير للتوتر والصراع.

ومن وجهة نظر حماس، فإن نظرتها لتلك الحسابات كانت متشائمة وقصيرة الأمد، على حد سواء. فالحركة تأثرت بعزلتها المتزايدة، بما في ذلك الحصار المفروض من قبل حكومة مصر. وعليه وجدت حماس نفسها في وضع مادي وسياسي صعب.

وبالنظر إلى ادعاء إسرائيل بأن غزة هي «معقل حركة حماس»، تتمثل الحقيقة في أن نسبة كبيرة بما فيه الكفاية من الشعب الفلسطيني، وربما تصل هذه النسبة إلى 30%، تؤيد حماس. وهذا يكفي للقول بأن الزعم الإسرائيلي حماقة. وفسرت حماس الأمر من جهتها بأن معاناة الغزيين المتأتية من سقوط القنابل عليهم ستدعمها أكثر.

وبتوقع أن الحرب لا بد أن تنتهي بوساطة ما، على غرار الحروب السابقة، لقد وضعت حماس مجموعة من المطالب المحدودة، وهي: العودة إلى الوضع القائم الذي سبق آخر اتفاق لوقف إطلاق النار، الذي تم التفاوض عليه مع مصر عام 2012. ووضع حد للتدخل الإسرائيلي في حكومة الوحدة الوطنية. ووقف الأعمال العسكرية.

إذن عم ستسفر هذه الحرب مع كل الدماء التي أريقت؟

لن تسفر عن نهاية للصراع ولكن عن فترة من الهدوء ستنتهي مرة أخرى حتما، لأن أسس الصراع لا تزال قائمة. وعلى الصعيد السياسي قد تضمن الحرب استمرار الائتلاف اليميني لبنيامين نتنياهو في الحكومة سنة أخرى أو أكثر من ذلك، وستضمن استمرار نتنياهو في منصبه.