شكلت موجة القتل الأخيرة في إسرائيل والأراضي المحتلة مناسبة لإشارات مفجعة إلى ما يطلق عليه «دائرة العنف»، كما لو كانت أشبه بتتابع فصول السنة، بحيث لا يمكن تحميل أي طرف من الأطراف مسؤوليتها. وهذا لم يكن صحيحا على الإطلاق، وأحد الأطراف كان مسؤولاً بالتأكيد، وهذا ما أكده السلوك الأخير للحكومة الإسرائيلية بالعلاقة مع خطف الإسرائيليين الثلاثة.

فقد كذب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته على الرأي العام الإسرائيلي والدولي، من خلال التظاهر بعدم معرفتهم بأن المخطوفين هم في عداد القتلى بالتأكيد، حتى بعد أن وجدت سيارة الخاطفين المهجورة، تتناثر بقع الدم في أرجائها، مما أكد مقتلهم، فإن السلطات الإسرائيلية واصلت الحفاظ على رواية مفادها أن الثلاثة محتجزون في مقابل فدية لم يكشف عنها بعد.

خداع واستغلال

وقال نتنياهو وشركاه إنه تم اختطافهم من قبل حماس، في سبيل انتزاع المزيد من التنازلات من الحكومة الإسرائيلية، كما في حالة جلعاد شاليط.

وأطلقت الحكومة الإسرائيلية عملية عسكرية تحت مسمى «عملية حماية الأخ». فقام ألوف من جنود جيش الحرب الإسرائيلي بتمشيط الضفة الغربية للبحث ظاهريا عن المختطفين. وتم اعتقال 550 فلسطينيا، ونهبت منازل الفلسطينيين. وقصفت غزة بلا رحمة.

وقامت الحكومة الإسرائيلية بإرسال أفراد أسر المخطوفين لحضور مؤتمر للأمم المتحدة، حيث ناشد الأهالي المخدوعون بالعمل على عودة أبنائهم.

فلماذا كذبت الحكومة الإسرائيلية بشأن «عملية الخطف»؟

لننظر إلى سياق الأحداث: اعترفت الولايات المتحدة أخيرا بحكومة الوحدة الوطنية بين حركتي فتح وحماس، وتل أبيب تلقت الجزء الأكبر من اللوم على فشل مباحثات السلام الإسرائيلية- الفلسطينية. ولم يتطلب الأمر عناء تفكير من الإسرائيليين: لماذا لا نستخدم القتل للممارسة أقصى الضغط السياسي على واشنطن، ولشن هجمات جديدة ضد الفلسطينيين، وتسجيل بعض نقاط الدعاية التي تشتد الحاجة إليها؟

ولم يبق الإسرائيليون مقتل المختطفين الثلاثة سرا فحسب، وإنما أبقوا هويات الفلسطينيين المتهمين طي الكتمان أيضا، على مدى أسبوعين.

وحركة حماس ليس لديها الدافع للقتل، إلا إذا أرادت قيادتها التضحية بالمكاسب السياسية الحقيقية التي أحرزتها في الضفة الغربية. والخداع الإسرائيلي منح حكومة نتنياهو الذريعة لشن عملية عسكرية كان سيراها العالم، لولا ذلك على ما هي عليه: عملية انتقام موجهة ضد الذين لا علاقة لهم، وغير مستفيدين، من عملية القتل.

وإلى جانب الحملة العسكرية الموجهة ضد حماس، وهي تستهدف في الواقع جميع الفلسطينيين، فإن حملة الدعاية الحكومية أثارت نوبة محمومة من الكراهية لدى الشعب الإسرائيلي. ومقتل أبو خضير البالغ من العمر 16 عاما الذي اختطف على يد «متطرفين» إسرائيليين وأحرق حيا، كان أمراً متوقعا إلى حد بعيد.

بعد أسابيع من التصريحات الوحشية من جانب مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، التي كانت رسالتهم طافحة بضرورة الانتقام، كان من الحتمي أن تصل الرسالة إلى بعضهم ويأخذوا زمام الأمور بأيديهم.

تحريض على القتل

وهناك نزعة غريبة تسير جنبا إلى جنب في سياسات الحكومة الإسرائيلية المحلية والخارجية، تبدو مصممة على إثارة أكبر قدر ممكن من الاضطراب، مما يودي إلى حالة من الحرب الدائمة.

في الداخل، تدفع الحكومة باستمرار لتجاوز حدود الأخلاق والقانون الدولي، تستولي على الأراضي الفلسطينية وتبني «المستوطنات» وتروع بوحشية بشكل روتيني الفلسطينيين حتى من كان بينهم من المواطنين الإسرائيليين.

وفي الخارج، تبقي تل أبيب الوضع في حالة غليان باستمرار داعية إلى عمل عسكري أميركي ضد العراق وسوريا وايران وتدعم باستمرار السياسات التي تهدف إلى لا شيء أقل من تفتيت جيرانها العرب.

وفي هذه الحالة الأخيرة التي تنطوي على خداع واع واستغلال (وتحريض على) القتل، فإن الطبقة السياسية الإسرائيلية أظهرت بوضوح عن حقد فريد من نوعه بين الأمم.

دعونا لا نسمع بعد الآن عن «دائرة العنف» في فلسطين، كما لو أن الجانبين مسؤولان على قدم المساواة عن الحريق الحالي. وسرد صادق للتاريخ يجب أن يظهر من أشعل هذا الحريق، ويخبرنا التحريض المدروس على العنف العرقي من قبل قادة إسرائيل الحاليين بكل ما نحتاج إلى معرفته حول من يبقي نيران الكراهية مشتعلة.

حقد أعمى

أظهرت الطبقة السياسية الإسرائيلية بوضوح عن حقد فريد من نوعه بين الأمم في الأحداث الأخيرة التي انطوت على خداع واع واستغلال (وتحريض على) القتل ضد الفلسطينيين. وهذه السمة أصبحت أكثر وضوحا على مر السنين مما أكسب إسرائيل العداء على النطاق الدولي، وألهم بحملة مقاطعة لها، وعزل شعبها داخل ما يصفها الكاتب ماكس بلومنثال بـ«أرض الحضيض المغلقة».

وإسرائيل خارجة عن القانون بين الأمم.

وحملة المقاطعة والتجريد التي تحض الناس في كل مكان لمعاملتها باعتبارها منبوذة، تبررها أشد تبرير الأحداث الأخيرة، وتؤكدها حالة عدم تفاعل الجمهور الإسرائيلي لما تم كشفه عن أن الحكومة كانت على علم بمقتل المختطفين الثلاثة ومع ذلك استخدمت عملية الخطف لتحصيل أقصى المكاسب السياسية: فالإسرائيليون لم يعد يهمهم أن يكذب عليهم طالما أن ذلك يؤكد كراهيتهم للفلسطينيين.