قبل يومين من مقتلها في بنغازي ، في 25 يونيو الماضي، سارت الناشطة في حقوق الإنسان سلوى بوقعيقيص حاسرة الرأس ،منتعلة حذاء ذي كعب عال، إلى فندق في طرابلس بحراسة ميليشيات متشددة. ولم يكن لديها كثير من الصبر مع مثل هؤلاء المسلحين ومؤيديهم السياسيين، الذين تتهمهم بترويع ليبيا وعرقلة الديمقراطية، وقالت: «لدينا خمس محاكم في بنغازي وكلها مغلقة، إذا كان أولئك الإسلاميون عند قولهم بأنهم ملتزمون بالدفاع عن الدولة، فإنه ينبغي عليهم أن يدافعوا عن مؤسساتها».
وكانت بوقعيقيص في طليعة الثورة عام 2011 وتم تعيينها أخيرا نائبة رئيس لجنة الحوار الوطني. واغتيالها صدم البلاد التي تواجه مسارين متباينين نحو الأمن: القمع أو المصالحة. وقتلت فيما يمضي اللواء السابق في الجيش الليبي خليفة حفتر بحملته العسكرية ضد الميليشيات الإسلامية في بنغازي وغيرها من المدن الشرقية.
ولا يتمتع اللواء حفتر بتفويض شرعي من الحكومة الليبية، وجيشه الوطني الليبي هو بصراحة ميليشيا أخرى، خارجة عن سلسلة القيادة العسكرية الرسمية. والأمر المقلق هو أن عمليته كانت موجهة ضد السلطة التشريعية المنتخبة في البلاد التي يتهم حفتر أعضاءها الإسلاميين بدعم الميليشيات، وعرقلة إعادة بناء الجيش والشرطة في البلاد.
وكل هذا ترك ليبيا مقسمة بعمق: بالنسبة لبعضهم فإن اللواء حفتر هو المنقذ الذي سيقدم الاستقرار الذي طال انتظاره. فيما يتخوف بعضهم الآخر إزاء ظلال الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي، ويرون رجلاً قوياً يقوض الديمقراطية باسم محاربة تهديد إرهابي ذي تعريف فضفاض.
رفض المفاوضات
وحفتر مقتنع تماما بتفويض الشعب الليبي له، ويقول: «ليبيا ستكون مقبرة للإرهاب العالمي». وقد رفض جهود الوساطة الأخيرة في بنغازي مع شيوخ العشائر لأنها لا تنتج شيئا إلا «اللغة العاطفية». وأصر على أنه لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات، مشيرا إلى كمين تعرضت إليه قواته وإلى مقتل بوقعيقيص.
ووسط تصاعد العنف وحالة الاستقطاب في ليبيا، يتقلص مجال الحوار وتوافق الآراء هناك. ويبدو أن بوقعيقيص اختارت بين شرين، قالت إن حفتر، على الرغم من عيوبه، كسر المحرمات في تحدي المتشددين وتصرف، وأشارت إلى أنه طالما لا يمكن وقفه، فينبغي على الحكومة الليبية أن تجلبه إليها وتشرعن وجوده، بأمل وضعه عند حده بطريقة أو بأخرى والسيطرة عليه.
لكن هناك خطراً واضحاً في دعم رجل عسكري قوي تعريفه الغامض للإرهاب يتضمن الجماعات السياسية السلمية التي ينكر عليها حقها في تشكيل مستقبل الدولة في مرحلة ما بعد القذافي. والعديد من الليبيين ميز بينها وبين «أنصار الشريعة». والخطر المترتب على وضع كل هذه الجماعات في سلة واحدة هو أن يدفع إلى تجذر المعتدلين.
بل المقلق أكثر بالنسبة لليبيا هو زعم حفتر انه يدافع عن الديمقراطية، فيما يعمل على تهديد الهيئة المنتخبة الرئيسة في البلاد بالقوة العسكرية. وما إذا كان بالإمكان ترويضه عبر «جلبه إلى الحظيرة» يبدو غير محتمل: والتاريخ مليء بشواهد عن مثل هذا الإرضاء لرجال أقوياء باءت بالفشل.
ودعم حفتر سيكون عبارة عن مقايضة خاسرة بعواقب وخيمة على مستقبل ليبيا بعيدة المدى. وينبغي على القوى الخارجية أن توضح أنها لن تتسامح مع قلب سيادة القانون لصالح قتال تهديد «إرهابي» لحفتر غير معرف بشكل صحيح، يشمل معارضين سياسيين.
لقد دفعت بوقعيقيص حياتها في سعيها للكرامة، لكن حفتر قد ينتزع ثمنا أعلى من مستقبل ليبيا.
