عبر وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولن باول عن رأيه بوضوح وإيجاز عندما قال: "إذا كسرته ملكته وستدفع ثمنه". وأميركا قصمت ظهر العراق، وستدفع ثمن ذلك باهظاً. هكذا ينظر باقي العالم إلى الأمر. ولهذا السبب اندهش العالم إزاء السجال الجاري بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني، وكل من هذين المعسكرين يقول للآخر: "أنت فعلت ذلك"، وفي الواقع يتعين عليهما أن يقولا: "فعلنا ذلك معاً".

والمأساة في هذا السجال المسبب للخلاف هو أن أميركا تطيح بفرصة كبيرة للتأمل في سؤال مهم وأساسي: لماذا تعد أميركا سيئة للغاية في المهمة المتمثلة في غزو البلدان واحتلالها؟

بالتأكيد، الغزو والاحتلال الأميركي للعراق سوف يسجل في التاريخ بوصفه من أكثر العمليات الفاشلة من نوعها. فقد أنفقت الولايات المتحدة 4 تريليونات دولار، وفقدت الألوف من الأرواح الأميركية وخسر الملايين من العراقيين أرواحهم، وفي النهاية لم تحقق أميركا شيئاً. وطالما أن الفشل هو كارثي إلى هذا الحد، فلماذا لا نحاول على الأقل تعلم بعض الدروس القيمة منه؟ وهناك ثلاثة دروس تستدعي الاهتمام على أقل تقدير.

الدرس الأول، هو حماقة النوايا. كان هدف الرئيس الأميركي جورج بوش المعلن إقامة ديمقراطية فعالة مستقرة في العراق، وليس إقامة مستعمرة أميركية إلى الأبد. وكان من شأن حكام الاستعمار البريطاني للعراق في أوائل القرن العشرين أن يندهشوا تماما بتلك النوايا، ويذهلوا أكثر بالوسائل المستخدمة لتحقيقها. على سبيل المثال، كان البريطانيون قد حافظوا على المؤسسات المحلية بدل أن يدمروها.

تدمير المؤسسات

والجنرال ماك آرثر حافظ بحكمة على المؤسسات اليابانية، بما في ذلك إمبراطور اليابان هيروهيتو، على الرغم من دوره في الحرب. وعلى نقيض ذلك، دمرت أميركا من البداية الجيش العراقي وحزب البعث التابعين للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وحكمت بالتالي على الاحتلال بالفشل.

واعتقد بعض الأميركيين أن بإمكانهم إدارة العراق لأن إدارة الحكم لدى الأميركيين كانت أكثر تفوقا بطبيعتها. وافترض بول بريمر أنه بإمكانه حكم العراق دون عناء بالقدرات المتفوقة لديه، دون أن يعي في أي وقت من الأوقات أن هذا كان مهيناً على الصعيد الثقافي.

وهذه السمة الأميركية في الثقة العالية بالنفس في إدارة مجتمعات أخرى ليست جديدة. وعندما كنت أعيش في فنوم بنه في 1973-1974 قبل أربعين عاماً، تسنى لي أن أشاهد بأم العين كيف كان دبلوماسي أميركي شاب عديم الخبرة يتجه إلى مكاتب وزير الاقتصاد الكمبودي، ويعطي تعليماته اليومية الواردة من واشنطن حول كيفية إدارة الاقتصاد الكمبودي.

وماذا كانت النتيجة؟ شعر القادة الكمبوديون بالعجز عن حكم مجتمعهم. وبعد إدارة كارثية لكمبوديا وجنوب فيتنام وأفغانستان والعراق، ينبغي على الأميركيين استيعاب درس مؤلم وهو: الأميركيون غير قادرين على احتلال بلدان أخرى. وينبغي على أميركا أن تخرج من أعمال الاحتلال كليا، حتى الأمم المتحدة تقوم بوظيفة أفضل منها في إدارة البلدان في المراحل الانتقالية.

والدرس الثاني، هو تجنب الاعتماد المفرط على الجيش الأميركي. قال أوباما ذلك بوضوح: "فقط لأن لدينا أفضل مطرقة، فهذا لا يعني أن كل مشكلة هي مسمار". والمؤرخون في المستقبل للقرن الأميركي سوف ينفقون وقتا طويلا وهم يمعنون التفكير في معضلة صعبة: كيف أصبح الشعب الأميركي المسالم نسبياً لا يستطيع الانتظار حتى يبدأ بإطلاق النار في مغامراته الخارجية؟

الأدلة الكافية

وكل هذا يقود إلى الدرس الثالث الواضح للعيان، والمتمثل في تقوية الدبلوماسية الأميركية. اسمحوا لي أن أبدأ مع حقيقة مؤلمة واضحة لكثيرين في بقية العالم: لقد تدهورت الدبلوماسية الأميركية.

وأسباب التدهور واضحة. فالمنظمات تجذب المواهب الشابة عندما يكون بإمكانها أن تعدهم بالوظائف الأفضل عند نهاية حياتهم المهنية التي عملوا من أجلها بدأب وتفان. لكن إذا كان كل ما يطمح إليه دبلوماسي أميركي شاب بعد ثلاثة عقود في الخدمة هو أن يكون سفيرا في أواغادوغو أو كابول (مع لندن وباريس تماما خارج المعادلة) فلماذا ينبغي عليه البقاء؟

ويتعين على أميركا أن تخرج من أعمال الغزو والاحتلال، وأربعة عقود من الفشل وفرت ما يكفي من الأدلة للبرهان على أن الشعب الأميركي هو أفضل بكثير من القيام بهذه المهمة.

الأبيض والأسود

الدرس البسيط المستفاد من العراق وأفغانستان وكمبوديا وجنوب فيتنام هو أن الأسلحة وحدها لا تنفع. ولهذا السبب السجال الأميركي الأخير بشأن سوريا هو محير إلى هذا الحد. والجانبان كانا يناقشان قضية واحدة – نقصف سوريا أو لا نقصفها؟ لكن القصف لم يكن سيحل شيئاً. وكان من غير الحكمة على حد سواء قيام أميركا بالإعلان من جانب واحد في 18 أغسطس 2011 أن "الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يرحل".

وبعد ذلك بثلاث سنوات تقريبا، فإنه لا يزال في منصبه. وفي أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط فإن الخيار هو بين ظلال مختلفة من اللون الرمادي، وإحلال "السلام" سيتطلب من أميركا تعلم التعامل مع الأشخاص الذين ليسوا أتباعاً لها ومصافحتهم.