قدم الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض أخيراً، كل المسوغات المتوقعة للتحرك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش): عدم الاستقرار المثير للقلق في الشرق الأوسط، خطر رد فعل سلبي من جانب المتشددين في الغرب، والمعاناة الإنسانية المطلقة. لكن أوباما أشار إلى سبب إضافي للتدخل في العراق عادة ما قلل صناع السياسة في أميركا من شأنه في الماضي، قال أوباما: »بالإضافة إلى وجود حلفاء أقوياء ملتزمون بحمايتهم هناك، فإنه من الواضح أن قضايا مثل الطاقة وأسواق الطاقة العالمية لا تزال مهمة«. بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى نفط العراق.
وهذه الحاجة كانت واضحة من أرقام الإنتاج وحدها. فالعراق هو سابع أكبر منتج للنفط الخام في العالم، حيث يضيف 3.3 ملايين برميل في اليوم إلى أسواق النفط العالمية.
وأخيراً، أدى تقدم »داعش« في شمال العراق وخطر حصول المزيد من الاضطرابات في المنطقة إلى إعطاء دفعة لأسعار النفط، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها في غضون تسعة أشهر بتاريخ 23 يونيو، وبلغت أكثر من 115 دولاراً للبرميل.
كميات وفيرة
وأخذاً في الاعتبار أن المسلحين السنة يقفون حالياً على أبواب عاصمة إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط الخام في العالم، فقد استجابت الأسواق العالمية بثقة ورباطة جأش مثيرين للاستغراب فعلاً. ويعزى الأمر في ذلك جزئياً لوجود كل حقول النفط والبنى التحتية في العراق تقريباً بعيداً عن القتال، في الجنوب الذي يهيمن عليه الشيعة، مما يعني أن إنتاج البلاد لم يتأثر كثيراً بالصراع.
وحالياً، ينعم العالم بكميات وفيرة من النفط، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير للبلاد التي يعرف عنها عطشها الذي لا يرتوي للنفط الخام، وهي الولايات المتحدة. فقد فتحت ثورة استخراج الغاز الطبيعي من الصخر الزيتي المجال لإمدادات جديدة هائلة من النفط الأميركي، الذي كان يتعذر الوصول إليه في السابق.
لكن هذه الكميات الأميركية يمكنها أن تحمينا إلى هذا الحد لا غير. فإذا سقطت بغداد في يد »داعش«، أو إذا استمرت الحرب إلى أمد غير محدد، فإنه يبدو من غير المرجح أن تستمر أعمال التنقيب عن النفط في جنوب العراق دون أن تتأثر. واستناداً إلى تحليلات منظمة »سكيورنغ أميركا فيوتشر إنرجي«، وهي مؤسسة لا تتوخى الربح، قد ترتفع أسعار النفط بمقدار 40 دولاراً للبرميل إذا خرج ثلث الإنتاج العراقي عن السيطرة، وذلك بعواقب مدمرة على الاقتصاد العالمي الذي ما زال يعاني من الضعف.
لكن الخطر الحقيقي من زعزعة الاستقرار في العراق يكمن على المدى الطويل. والعراق يعد خامس دولة في العالم من حيث حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة، مما يعني أن البلاد لديها الكثير من النفط الخام المتبقي بانتظار أن يضخ.
والبلاد لديها مجال كبير للتحسين، لأن صناعة النفط في العراق عانت من ركود مصطنع نتيجة لسنوات من سوء الإدارة في ظل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ولسنوات من العقوبات الدولية خلال فترة التسعينات، وويلات الحرب على مدى العقد الماضي. وهذا تحديداً ما كان يعمل العراق على تحقيقه، فالإنتاج وصل لفترة وجيزة إلى 3.6 ملايين برميل في اليوم في فبراير الماضي، أعلى مستوى منذ تولي صدام حسين السلطة في عام 1979، مع قيام الحكومة العراقية بالعمل مع شركات النفط الرئيسية لبناء قدرات الحفر والتنقيب.
تخوف منطقي
ويبقى النفط مصدر الطاقة الذي لا غنى عنه، ويشكل النفط الخام 96% من وقود النقل في العالم، وفيما يمضي الاقتصاد العالمي في النمو، كذلك الطلب على النفط الخام. ووكالة الطاقة الدولية توقعت أن يزداد الاستهلاك العالمي بمقدار 1.4 مليون برميل في اليوم عام 2014 وحده. وإذا لم تتمكن الإمدادات الجديدة من اللحاق بالطلب المتصاعد، فإن الأسعار سوف ترتفع وتصيب النمو الاقتصادي بالشلل.
وكان يفترض أن يلعب العراق الدور الأكبر في هذا السباق أكثر من أي دولة أخرى. في عام 2012، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف إنتاج العراق تقريباً إلى حوالي 6 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2020.
لكن النمو يعتمد على استثمارات مكثفة في الإنتاج، والحرب مع »داعش« تعطل أي جهود في هذا السياق. وقد خفضت وكالة الطاقة الدولية بالفعل توقعاتها بشأن إنتاج العراق عام 2019 بحوالي نصف مليون برميل في اليوم تقريباً. وإذا كانت واشنطن غير قادرة على مساعدة بغداد الآن على صد »داعش«، فإن النفط سيكون أحد ضحايا الحرب هذه المرة.
تكنولوجيا
منذ عام 2010، زادت الولايات المتحدة إنتاجها بحوالي 2.5 مليون برميل في اليوم، ووصلت إلى إنتاج 7.4 ملايين برميل في عام 2013، حيث شكلت حوالي مجمل الزيادة العالمية على مدى تلك السنوات. وتقوم الولايات المتحدة حتى باتخاذ خطوات أولية للسماح بتصدير الخام غير المكرر. ويبقى استخراج الغاز الطبيعي من الصخر الزيتي موضوعاً مثيراً للجدل بسبب تأثيراته البيئية المحتملة، لكن من دونه لكان العالم الآن يدفع أكثر بكثير مقابل برميل من النفط الخام. لكن هذه الكميات الأميركية يمكنها أن تحمينا إلى هذا الحد لا أكثر.
