يحدق العراق الآن في الهاوية التي عاشها لبنان خلال أحلك أيام حربه الأهلية التي شكلت أول وأطول صراع طائفي في العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستعمار. ولقد استمر الصراع لمدة 15 سنة مهلكة. والكلفة البشرية في بلاد أصغر مساحة من ولاية كونكتيكت كانت مذهلة، نحو 150 ألف قتيل إلى جانب مليون مهجر يشكلون نحو ربع السكان.

وانتهت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990. وبالكاد تمكنت الدولة من الوقوف على رجليها. وبعد ذلك بربع قرن تقريباً، فإن تأثيرات الحرب لاتزال باقية في شكلها السياسي، فيما يصارع لبنان من أجل إيجاد رئيس للبلاد وسط الاضطرابات الطائفية.

وللأسف، فإن نطاق الأحداث على مدى الأسابيع الأخيرة في العراق التي تنبع من نوع نزاعات تقاسم السلطة التي مزقت لبنان إرباً، هو أكبر مادياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإقليمياً. ومساحة العراق تعادل مساحة كاليفورنيا، والمناطق التي استولى عليها تنظيم »داعش« بسرعة مذهلة هي بحجم ولاية إنديانا. وككل، فإن العراق هو مساحة جيوسياسية بأهمية أكبر بكثير، دون ذكر أنه ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك. والأسلحة لدى الأطراف في العراق أكثر وأشد فتكاً بكثير مما كان في لبنان. والكراهية قد تكون أعمق، والتأثير الإقليمي أوسع نطاقاً. والتبعات يمكن أن تكون لها أهمية عالمية.

وكل من لبنان والعراق لديه ديناميته الخاصة، لكن العراق هو أشبه بلبنان منه بسوريا، لأن العراق ولبنان ديمقراطيتان حديثتا الولادة. ومبدأ تقاسم السلطة تم تبنيه علناً ومنصوص عليه سياسياً، حتى لو لم يمارس على نحو كاف. وعلى العكس، الحرب الأهلية المستمرة منذ ثلاث سنوات في سوريا أصبحت مستعصية على الحل، لأن الرئيس السوري بشار الأسد يتمسك بالسلطة.

مسار مختلف

والمجتمعات الممزقة في لبنان والعراق كانت ترسم مساراً نحو مستقبل مختلف كلياً عن ماضي المنطقة، ولو بشكل متقطع وعلى نحو دموي. إنه الصراع لتجاوز الهويات البدائية الخاصة بالعشيرة والقبيلة والعرق والطائفة باسم الصالح الوطني الأوسع نطاقاً.

والبديل هو الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، حيث السياسة تم اختطافها من قبل زعماء الحرب، والقوات الأمنية تم تهميشها من قبل ميليشيات تتحدى القانون، والاقتصاد نجا بالاعتماد على التهريب، والحياة اليومية تتصف بالـ»داروينية« أي صراع من أجل البقاء. والقتال لم يكن بالإمكان التنبؤ به مطلقاً، في ظل انتشار الميليشيات وتحالفاتها المتقلبة وعداواتها المتغيرة على الدوام. والعراق يشهد بالفعل اشتباكات داخلية خصوصاً به مدمرة للجميع.

وتنطبق الدروس المستفادة من لبنان على الولايات المتحدة أيضاً. ففي جميع حروبها في أماكن أخرى، كانت أكبر خسارة في حادثة واحدة في الحياة العسكرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية خسارة 241 من قوات حفظ السلام في بيروت في عام 1983، بعد أن شوهدت واشنطن تأخذ جانب طرف في الحرب الأهلية في لبنان.

وكما أثبت لبنان، فإن الحل النهائي هو حل سياسي، والحلول دوماً بسيطة إلى حد الابتذال. وحرب لبنان انتهت بتغييرات طفيفة في توازن السلطة الداخلي. تغيير محدود جداً مقابل هذا العدد الكبير من القتلى. فحذار أيها العراق!

فرصة

سيمضي العراقيون من كل الطوائف والعرقيات في التدمير الذاتي بغباء، إذا لم يتصالحوا مع بعضهم بعضاً بسرعة. ولايزال لديهم فرصة لتغيير المسار وإعادة توزيع السلطة وإصلاح الخلافات السياسية بطريقة لا يمكن لسوريا بالتأكيد القيام بها إذا بقي الأسد في السلطة. ولديهم أيضاً الاهتمام الدولي بالمساعدة في تحقيق هذا الأمر، على نحو مثير للجدل مثل أي شكل من أشكال المساعدة الدبلوماسية أو العسكرية.