بعد ما يزيد على أسبوعين من السقوط الدراماتيكي لأجزاء من العراق في يد عناصر من السنة، بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف باسم »داعش«، انخفضت درجة غليان العمليات العسكرية، لكن حرارة الأجواء كانت قد امتدت وجرّت معها قوى جديدة إلى أتون الاضطرابات في العراق، والحرب ذات الصلة في سوريا المجاورة. ومع غياب أي تلميح إلى تقدم نحو حل سياسي أو هدنة، يبدو أن اشتداد القتال واتساعه بات أمراً مؤكداً، ومعه خطر كارثة إنسانية أخرى بحجم الكارثة السورية.
وعلى أرض الواقع في العراق، تبدو القوات النظامية، والميليشيات الشيعية الموالية لحكومة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، ممسكة بخط دفاعي شمال بغداد، فيما تستمر قوات البشمركة الكردية في تأمين حدود تمتد نحو ألف كم عبر شمالي العراق وشرقه، وتفصل إقليم كردستان ذات الحكم الذاتي عن المنطقة ذات الأغلبية السنية.
تعزيز القوات
لكن المتمردين الذين يسيطرون على المناطق الشمالية والغربية، بقيادة قوة تابعة لـ »داعش« تقدر بنحو 15 ألف مقاتل، يعززون مواقعهم بفضل ميليشيات سنية حليفة. في بعض الحالات أقنع تنظيم »داعش« الميليشيات السنية المحلية بإعلان الولاء له، وفي حالات أخرى، سيطر بالقوة، واستولى على مدن في محافظة الأنبار، مثل الرطبة والقائم، اللتين سقطتا في 22 يونيو الماضي، فضلا عن مدينة تلعفر إلى الشمال. وتبدو استراتيجية المتمردين أنها تهدف إلى تعزيز السيطرة على طول نهري دجلة والفرات إلى الشمال من بغداد، فضلاً عن المنطقة الصحراوية الشاسعة على الحدود مع سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية. وقد استولى »داعش« على بلدة النخيب الصحراوية، عند منتصف الطريق بين بغداد والحدود السعودية.
في كل الأحوال، يبدو أن انهيار قوات المالكي في شمالي العراق وغربه قد اقنع الحكومة السورية، بأن تأخذ تهديد »داعش« على محمل الجد أكثر، فقد وفر العراق حتى الآن خط إمداد حيوياً لنظام الأسد، لكن للعراق سلاح جو هزيل يرثى له. وسوريا قدمت من جهتها يد المساعدة حين ضربت طائراتها مرارا في الفترة الأخيرة تنظيم »داعش« داخل سوريا، وبشكل ملحوظ عبر الحدود مع العراق.
ومع دخول سوريا الحرب في العراق، انجرت إسرائيل إلى الحرب السورية لفترة وجيزة. في 23 يونيو الماضي قصفت الطائرات النفاثة الإسرائيلية على الأقل تسعة مرابض للجيش السوري في إطار الرد على استهداف سيارة تحمل مواطنين إسرائيليين في مرتفعات الجولان، التي تحتلها إسرائيل حسبما أفاد المتحدث الرسمي الإسرائيلي. والقتال أيضاً امتد إلى لبنان، وليس للمرة الأولى خلال السنوات الثلاث للحرب في سوريا. في 20 يونيو الماضي، ومجدداً في 24 يونيو، كان للحظ دور في منع سيارات يقودها انتحاريون من الوصول إلى أهدافها، التي يبدو أنها كانت المناطق الشيعية في البلاد.
وقد سارعت إيران إلى إرسال إمدادات عسكرية أفيد أنها تضمنت معدات إشارة وطائرات موجهة عن بعد، وأفادت مصادر عسكرية أميركية أن طائراتها تقوم بـ 35 طلعة استطلاع في اليوم، جزء من حزمة طوارئ تشمل نحو 300 من المستشارين العسكرين.
توقعات مستقبلية
والجهود الأميركية لدعم صمود بغداد جرى تلطيفها بنداءات للمالكي، من بينها نداء من جانب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أن يتحد مع خصومه السياسيين. ورئيس الوزراء الذي فاز حزبه بـ 92 مقعداً من أصل 328 مقعداً في البرلمان في الانتخابات العامة أبريل الماضي، أي بمقاعد أكثر من أي حزب آخر في البلاد، تمكن من البقاء ولايتين في منصبه، ويسعى إلى ولاية ثالثة. وعلى الرغم من اتباعه تلك السياسات التي أدت إلى الكارثة الحالية بإثارته غضب الأقلية العربية السنية واستبعاده الأكراد، يبدو أنه يعتقد أن بإمكانه تشكيل حكومة مجدداً، لكن العديد من زملائه الشيعة في العراق أيضا ًيرغبون برحيله. في 25 يونيو الماضي، احتج المالكي على شاشات التلفزيون ضد الاقتراحات الداعية إلى تشكيل حكومة »إنقاذ«، تشمل خصومه وشخصيات محايدة، وهاجم بشكل غير مباشر الأكراد باتهام مبطن بأنهم تآمروا مع العرب السنة لتقسيم العراق. وهذا الأمر قد يصبح حقيقة في الواقع، طالما لم يذعن المالكي للضغوط الداخلية والخارجية، ويقدم لخصومه السياسيين على الأقل بعض الأمل في تسوية عادلة.
خطر
نجح »داعش« إلى حد كبير في تحقيق أهدافه المباشرة، على الرغم من استمرار القوات السنية المعادية له في الإمساك بمساحات من الفرات في كل من العراق وسوريا. وعلى الجانب السوري، فان معظم الثوار المناوئين للحكومة ينظرون إلى »داعش« حليفاً مزعوماً ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وباعتباره متطفلاً خطراً عازماً على إيجاد دولته الخاصة بدلاً من تحرير سوريا. والثوار السوريون المعارضون لـ»داعش« أشاروا في الماضي إلى تردد قوات الأسد الواضح في مهاجمة »داعش«، باعتباره دليلاً على تعاون هذا التنظيم الضمني مع النظام السوري في سبيل إضعاف الجماعات الثورية الأخرى، لكن مكاسب المتشددين في العراق، بما في ذلك استيلاؤهم على الأسلحة والنقود يرجح عودة ميل بعض جماعات المعارضة السورية إلى الرغبة في التحالف مع »داعش«. ويقال الآن، إن بعض الميليشيات المحلية المعارضة في شرقي سوريا تعلن ولاءها له.
