في ظاهر الأمر، النجاح المذهل الذي حققه هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام »داعش« يتحدى الفهم. كيف بإمكان فرقة تضم أقل من ألف »إرهابي« شق طريقها إلى الموصل، وتفريق 30 ألفاً من قوات الأمن العراقية، في غضون أقل من 48 ساعة، والاستيلاء بالكامل على مدينة يقطنها نحو مليوني نسمة؟ كيف بإمكان قوة تعدادها لم يكن أكثر بكثير من 10 آلاف عنصر في البداية أن تقتحم شمال العراق وغربه، وتسيطر على عدد إضافي من المدن.

بما في ذلك تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وتلعفر قرب الحدود مع سورية، فيما تحكم السيطرة على الفلوجة ومعظم الرمادي على مقربة من بغداد؟

كيف يمكن أن يحدث كل هذا عندما تستطيع الحكومة العراقية التي أنفقت 17 مليار دولار على قواتها الأمنية السنة الماضية (بما في ذلك دعم أميركي يوازي 1.3 مليار دولار) استدعاء جيش وطني عديده نحو 200 ألف عنصر مدرب ومجهز بشكل كبير من قبل أميركا، ومدعوم من جهاز شرطة وألوية شبه عسكرية من أكثر من 500 ألف عنصر؟

وانتقادات كثيرة على هذه الكارثة استهدفت الرئيس الأميركي باراك أوباما لسحبه القوات الأميركية المتبقية في ديسمبر 2011، قبل أن تكمل مهمتها.

لكن بعضاً من هذه الانتقادات له ما يبرره.

فلا القوات الأميركية ولا القوات العراقية خططت للرحيل المفاجئ لـ49 ألف مستشار عسكري وعامل مساعد في نهاية 2011. لكن السبب الحقيقي لهذا كان رفض الحكومة العراقية توقيع »اتفاقية وضع القوات«، هذه الاتفاقية التي كان بإمكانها تمديد الحصانة القانونية للجنود الأميركيين. وأوباما، الحريص على الحصول على رصيد بإنهائه الحرب وادخاره الأموال، كان بإمكانه أن يفعل المزيد لإقناع المالكي بأنه يرتكب خطأ بعدم التوقيع، لكن المالكي كان تحت ضغوط للإسراع في إخراج الأميركيين.

عملية انتقال

والقوات العراقية في عام 2011 كانت لا تزال تمر بعملية انتقال، في منتصف الطريق بين الروح العسكرية لدى المدربين الأميركيين التي تشدد على المبادرة على مستوى الضباط الصغار وضباط الصف، وبين الثقافة المركزية للغاية لجيش صدام حسين التي تشكلت في الثمانينات خلال حربه الطويلة مع إيران. وقد حذر نائب قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال فرانك هلميك في حينه من أن العراقيين لن يكون بإمكانهم الحفاظ على قدراتهم ومعداتهم، ناهيك عن مواجهة تحديات جديدة.

وافترض أن الأميركيين سيكونون هناك لحماية حدود العراق. فالقوات المسلحة العراقية التي تم تجديدها تكاد تنعدم لديها القوة الجوية.

لكن المشكلات المتفاقمة كانت تتغلغل في العمق.

قبل مغادرة الأميركيين بفترة، بدأ المالكي في تخريب الجيش المحترف غير الطائفي بضباطه السنة والأكراد في عام 2008، والموالون للشيعة تمت مكافأتهم بمناصب رفيعة المستوى في وحدات القتال والمخابرات، بينما تفشى الفساد على المستويات الأدنى.

ومع خروج الأميركيين، تمثل القلق الرئيسي للمالكي في التأكد من عدم تشكيل الجيش تهديداً داخلياً له. وهكذا بدأت دوامة من التدهور في نوعية الضباط العراقيين الذين لم يروا حاجة للاستمرار في التدريب الصارم الذي كان يقدره الأميركيون حق تقدير.

منذ عام 2012، استخدم المالكي بشكل متزايد الجيش ضد خصومه السياسيين، وهذا همش ليس فقط الجنود الأكراد والعرب السنة، لكن أيضاً الشيعة الذين أرادوا أن يكونوا جزءاً من جيش وطني حقيقي. والتبعات كانت واضحة للعيان في الموصل وأماكن أخرى. والقوات الشيعية لم تجد إلا قليلاً من الجدوى في الموت من أجل التمسك بمدن معظم سكانها من السنة.

لكن بغداد مسألة أخرى. ويصعب تصور استيلاء »داعش« عليها، ناهيك عن السيطرة على مدينة بتعداد يزيد على 7 ملايين نسمة، قد تكون نسبة 80% منهم من الشيعة. والميليشيات الشيعية من المرجح أن تقاتل بمزيد من الشراسة من أجلها عما فعل الجيش الوطني في الموصل.

تفكك محتمل

وفيما يتعلق بأميركا، فإن الحديث عن التعاون العسكري مع إيران لهزيمة عدو مشترك كان مبالغاً فيه. ولايزال يلف الغموض مسألة مشاركة حكومتي واشنطن وطهران الأجندة نفسها. وليس واضحاً ما إذا كان العمل المحدود الذي قد يفكر فيه أوباما المتردد حيال الأمر، ضربات جوية لكن دون جنود على الأرض، سوف يمنح أميركا النفوذ الذي ستحتاج إليه لإجبار المالكي على تغيير طرقه الطائفية أو التنحي لصالح خلف أقل إثارة للخلاف.

ولا ترغب أميركا في أن تصبح قوة جوية لصالح الشيعة. لكن من دون التدخل الأميركي، فإن الحكومة العراقية ستعاني لاستعادة السيطرة على المناطق التي فقدتها، ما يجعل تفكك الدولة العراقية أمراً قابلاً للتصور. وأميركا بحاجة إلى إيجاد استراتيجية قبل أن تقرر ما يفترض بها القيام به.

 

تبعات التهميش

في عام 2013، أفاد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، ومقره لندن في تقريره السنوي »التوازن العسكري«، أن المالكي الذي جعل نفسه بحكم الأمر الواقع وزيراً للدفاع والداخلية أدخل مفوضين سياسيين في البنية العسكرية.

وأشار التقرير أيضاً إلى »مجموعة واسعة من المشكلات التي لا يزال يعاني منها الجيش العراقي.. الضعف في الإدارة واللوجستيات والتخطيط الاستراتيجي.. وتخنق سلسلة القيادة أيضاً الابتكار واتخاذ القرارات المستقلة«.

منذ عام 2012، استخدم المالكي بشكل متزايد الجيش ضد خصومه السياسيين الذين هم في الغالب من السنة المعتدلين، ما أكسبه تسمية »ميليشيا المالكي«.

وهذا همش ليس فقط الجنود الأكراد والعرب السنة، لكن أيضاً الشيعة الذي أرادوا أن يكونوا جزءاً من جيش وطني حقيقي. والتبعات كانت واضحة للعيان في الموصل وفي أماكن أخرى.