ترجمة: نهى حوّا

هيأ الرئيس الأميركي باراك أوباما المسرح السياسي بشأن العراق، والسؤال الآن يتعلق بالأفعال التي ستلي ذلك. وفي هذا السياق، أشارت الولايات المتحدة بأكبر قدر من الوضوح إلى أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يجب أن يرحل، لكنها لا تستطيع أن تحقق ذلك على أرض الواقع، أو تصلح الضرر الذي ألحقه بوحدة الدولة وبنوعية الحكم وبالاقتصاد والقوات الأمنية منذ انتخابات عام 2010. وينبغي على واشنطن أن تنظر في قدرة المالكي على المناورة، وواقع أن سياسات العراق هي مبارزات دموية أكثر منها ممارسات في الديمقراطية.

والوحدة العراقية ستتطلب بشكل مؤكد إعادة النظر بمسألة الفيدرالية التي تجاهلها المالكي وقمعها بعد عام 2010، خصوصاً وأن موجة جديدة من اللاجئين والنازحين داخل العراق تعمل على فصل السكان ليس على أسس طائفية وعرقية فحسب، وإنما أيضاً على الصعيد المحلي والوطني.

الفصل الطائفي

والحرب الأهلية المتجددة التي أوجدها المالكي بين عامي 2011 و2013، والتي تجلت بسلسلة تقارير للأمم المتحدة، تتحدث عن ارتفاع مطرد في عدد الضحايا بسبب الاقتتال الطائفي السني الشيعي، ساهمت في تشكيل مزيج من الجماعات المقاومة السنية التي هي على درجة من التعقيد كتلك التي بزغت في سوريا. والأمر لا يقتصر على مزيج من تنظيم «داعش» و«بعثيين جدد».

وقد شق المالكي صف الشيعة فيما كان يعزز قوته بشكل منهجي بفضل الرشى والترهيب، أما الأكراد، فقاموا بثالث أكبر عملية استيلاء على السلطة منذ أوائل السبعينات، في ظل وجود رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني في الصدارة، وتغيب جلال طالباني بسبب التقدم في العمر والمرض. ومرة أخرى، قد يفسد الأكراد جدياً فرص نجاحهم بسبب الثقة المفرطة بالنفس، لكن المفارقة تكمن في أن تركيا قد تجدهم مفيدين لها كجيب معزول جزئيا وكمصدر دخل ونفط في منطقة كانت تسيطر عليها فيما مضى.

وأي من هذا لن يترك الولايات المتحدة بخيارات جيدة، والمالكي يعد خياراً رهيباً، لكنه خيار لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهله، طالما أن هناك خطراً سنياً بقيادة «داعش» يهدد بالاستيلاء على العراق، أو إشعال صراع طائفي شامل. وكان أوباما حكيماً في النأي عن تقديم أي مساعدة للمالكي، وأوضح أن الولايات المتحدة تدعم الوحدة العراقية، وليس بلطجياً استبدادياً فاسداً. وهيأ الرئيس الأميركي الأرضية لاستخدام نحو 600 عسكري أميركي وغيرهم من الطواقم الأميركية، بطرق تربط تدفق الأسلحة والدعم بجهود استعادة الوحدة السياسية.

وكان على حق في التصريح بأن أي استخدام للقوة الجوية والصاروخية يجب أن يتصف بحذر شديد، وأن يشكل حدود التدخل الأميركي. وينبغي على الولايات المتحدة ألا تدفع بأي شكل من الأشكال بقوات برية مقاتلة في العراق، وأن تربط أي دعم جوي بحدود واضحة تتجنب تنفير السنة العراقيين أكثر مما هو ضروري، وتتجنب تعزيز سلطة المالكي وإيران، وأن تركز على العمل مع الحلفاء لتعزيز أمنهم على نحو سريع، وأن تستخدم شحنات الأسلحة الأميركية والقوة الجوية والصاروخية فقط لتأمين مصالحها الحيوية لجهة أمن الخليج وتدفق الصادرات البترولية إلى الاقتصاد العالمي.

وتبقى مشكلة عملية مع ذلك، وهي تتمثل في أن المالكي قد لا يسمح للولايات المتحدة بلعب هذا الدور، فيما سيخشى الحلفاء من نتيجة قد تعزز الشيعة في العراق، ويبقى الأكراد بنفوذ لا يمكن التنبؤ به ومصدر محتمل للقتال في المستقبل، وسوف تستمر الحرب الأهلية السورية مع ازدياد تكاليفها الرهيبة على صعيد المآسي الإنسانية.

الخيار الأقل سوءاً

ويمكن أن تتعامل الولايات المتحدة مع بعض مشكلات العراق بهدوء من خلال المباحثات مع الأطراف المعنية، لكن التوصل إلى ما يمكن أن يوصف بأقل الخيارات سوءاً يبقى أمراً غير مؤكد.

وعلى المرء أن يتساءل ماذا كان سيحدث لو قمنا بجهد أكبر في دعم حكومة عراقية وطنية فعلية بدلاً من المالكي في عام 2010، وضغطنا بشدة أكبر لإبقاء قوات أميركية في العراق عام 2011، ودعمنا الثوار السوريين المعتدلين خلال اللحظات الحساسة عندما كانوا في وضع أقوى، وبدا الأسد على أهبة السقوط. ويبدو أن أوباما سيذكر على الأرجح بأنه الرئيس الأميركي الذي قضى ثماني سنوات يصارع لإيجاد أقل الخيارات سوءاً لكن بنجاح محدود. وهذه المرة على الأقل، يبدو بأنه قد انطلق ببداية جيدة وإن كانت غامضة النتائج.

تأثيرات وتداعيات

مهما كان دور الفصائل المسلحة من العهد البعثي السابق أو قوتها، فإن البعثيين لم تعد لديهم أية أيديولوجية أو أهداف سياسية ذات مغزى منذ عمليات التطهير والإعدامات التي عززت سلطة صدام في أواخر السبعينات. غير أن «داعش» كحركة تبدو متماسكة، لكن المناطق السنية هي حالياً عبارة عن مزيج معقد من قادة قبليين تقليديين وجدد، وشباب مسلح كثيرين منهم من خلفيات تعود لـ«أبناء العراق»، وضباط ومسؤولين سنة خسروا السلطة والمكانة عندما سقط صدام، وانقسموا إلى مزيج معقد من قوميين علمانيين إلى هذا الحد أو ذاك، ورجال يرغبون في استعادة الهيمنة السنية، ومتعطشون للسلطة.

وتلك الشبكة المعقدة من الفصائل السنية تؤثر مباشرة على أمن الأردن، والحدود الطويلة مع السعودية، والحرب الأهلية في سوريا.