لو أن جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في حكومة أدولف هتلر، لايزال حياً بيننا لكان تذمر من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو ولأبدى مع ذلك، إعجاباً حقيقياً به. ويمكنني تخيل غوبلز يقول لنفسه «كنت محترفاً في طرح الأكاذيب وكأنها حقائق، ولكن نتانياهو يجعلني أبدو كالمبتدئ في الكذب».
وفي مقابلة مع جيفري غولدبيرغ من وكالة بلومبيرغ قال نتانياهو إن الفشل المباشر وغير المباشر لمهمة وزير الخارجية الأميركي جون كيري في المفاوضات يقع على عاتق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وأضاف نتانياهو : «المفاوضات دائما أفضل. إلا أن ستة رؤساء وزراء فشلوا منذ أوسلو في مهمة تحقيق تسوية عن طريق المفاوضات.
ولطالما اعتقدوا أننا على وشك النجاح، ومن ثم تراجع ياسر عرفات، ومن بعده تراجع محمود عباس، وذلك لأنهم لا يستطيعون إنجاز هذه المفاوضات. ليست لدينا قيادة فلسطينية ترغب في إتمام المفاوضات. فالحد الأدنى من الشروط التي تطلبها أي حكومة إسرائيلية لا يمكن للفلسطينيين تحقيقه».
فشل المفاوضات
ولكن نتانياهو على حق نوعاً ما. فبالنسبة له ليس هناك من أحد في رام الله ليتفاوض معه، ولكن ذلك لأن «الحد الأدنى لشروط إسرائيل الموضوع على القائمة الصهيونية يتطلب من الفلسطينيين أن يتخلوا عن كفاحهم من أجل العدالة والقبول بالفتات، أي ببعض البانتوستانات هنا وهناك من أراضي الضفة الغربية المحتلة». ويبدو لي بالفعل أن نتانياهو تعلم الكثير من النازيين.
وفي خطابه الأخير، في محاكمات نورمبرغ، قال ألبرت شبير، مهندس هتلر المعماري ووزير التسليح والإنتاج الحربي: «هتلر دكتاتور.. استخدم كل الوسائل التقنية الممكنة للهيمنة على البلاد. ومن خلال التقنيات كالراديو ومكبرات الصوت حرم 80 مليون شخص من التفكير المستقل».
وأعتقد أنه يمكن القول من دون الخوف من التناقض ان الدعاية الصهيونية حرمت اليهود الإسرائيليين بالإضافة إلى الكثير من اليهود حول العالم من التفكير المستقل بشأن مسألة العدالة التي تخص الفلسطينيين. غوبلز نفسه وضع في كتاباته قواعده الذهبية من أجل دعاية فعالة، وقال: «ليست مهمة الدعاية أن تكون ذكيا، بل مهمتها أن تقود إلى النجاح». وما هو مفتاح النجاح؟ «الدعاية على مستوى الجبهة الداخلية يجب أن توجد مستوى جيداً من القلق واللهفة لدى الناس».
أكاذيب
وعلى الرغم من أن اعتقاد نتانياهو بعكس تأكيدات دعايته الوحشية، إلا أن الحقيقة البسيطة تكمن في أنه لا وجود لتهديد عسكري لوجود إسرائيل من العرب والمسلمين. وما لم يكن مخدوعاً إلى درجة الجنون السريري فإن عليه التيقن من أنه «إما كاذب أو معتوه».
ومن أفضل ما قرأت بشأن فشل مهمة كيري ما كتب في مقال بصحيفة «تيكون ديلي»، بقلم ديفيد غليك، وهو معالج نفسي وشاعر وناشط في شؤون السياسية والسلام في «مارين كنتري كاليفورنيا» وعضو في «جوش فويس فور بيس».
وهذا ما جاء في افتتاحيته. «جهود وزير الخارجية الأميركي المحمومة للوصول إلى معاهدة للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين فشلت مثل كثير من الجهود قبلها، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية جعلت من الصراع بين الطرفين واحدا من أصعب الصراعات في العالم اليوم.
فالتفاوت في القوة اليوم بين الأطراف المتصارعة، يكمن في الطبيعة الأساسية للمشروع الصهيوني، والديناميكيات النفسية الكامنة وراء الصراع. وتمد الولايات المتحدة إسرائيل سنوياً بثلاثة مليارات دولار كمساعدة مالية وعسكرية.
وبحسب تقرير الكونغرس الأميركي فإن واشنطن زودت إسرائيل بـ112 مليار دولار منذ نشوئها عام 1948. وعلى المستوى ذاته من الأهمية زودت الولايات المتحدة إسرائيل بحصانة دبلوماسية كاملة من خلال استخدام حق النقض »الفيتو« في مجلس الأمن لضمان عدم مساءلة إسرائيل بمقتضى قرارات المجلس والجمعية العمومية العديدة التي تتضمن إدانتها جراء القهر والاحتلال الذي تمارسه على الشعب الفلسطيني».
تناقض
مؤسسو الحركة الصهيونية عام 1897 هم من اليهود العلمانيين، الذين كانوا يعتقدون بوعد الله لهم وبشرعنة استعمارهم لفلسطين، حتى وإن كانوا يسعون إلى علمنة الحياة اليهودية، وتحريرها من قبضة التشدد الديني. ويقول المؤرخ اليهودي ألان بابي، انه لاحظ مرة أن مؤسسي الحركة الصهيونية لم يؤمنوا بالله، ولكنهم يعتقدون أنه مع ذلك قد وعدهم بأرض فلسطين.
