صادقت الجمعية التأسيسية الوطنية التونسية منذ فترة قريبة على تدبير من الممكن أن يثبت أنه أحد أهم المنعطفات الرئيسية لانتقال البلاد إلى الديمقراطية. وخلال مداولاتها المتعلقة بقانون الانتخابات الجديد صوت أعضاؤها بالرفض على مشروع قانون يمنع كبار أعضاء حزب الرئيس السابق بن علي والحكومة في عهده من المشاركة في أي انتخابات مقبلة.
وليس من المؤكد أن ميزان القوى كان ليتغير لو تم تمرير قانون الإقصاء هذا، وذلك لأنه من المتوقع أن يرشح القليل من الأعضاء الحزب السابقين أنفسهم في الانتخابات المقبلة، ولكن بحرمانهم من كامل حقوقهم المدنية كان القانون سيحول مخضرمي النظام السابق إلى شهداء سياسيين، فضلا عن الإساءة إلى مزاعم الحزبين القائدين بالتزامهما بقيادة البلاد نحو مرحلة انتقالية شاملة.
الإقصاء
وتذكي مثل هذه التطورات على وجه الخصوص ذكريات أليمة لقادة كلا الحزبين. ويعترف باجي قائد السبسي، رئيس حزب نداء تونس العلماني، بأنه لا يزال يعاني من صدمة تجربة الصراع العنيف أواسط خمسينات القرن العشرين، وذلك عندما تورط مؤيدو الرئيس حبيب بورقيبه ومنافسه صلاح بن يوسف في صراع دموي شمل مدناً وقرى تونسية.
وقال راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي إنه لا يود إلحاق ألم العزل الذي أصاب الإسلاميين مع النظام السابق عقب الاستقلال بأي فريق. وفي النهاية، صوت أغلبية المشرعين ضد قرار العزل، دافعين بذلك عملية المصالحة السياسية التي توقفت لفترة من الزمن. ووصف السياسي الوسطي كامل مرجاني هذه العملية بأنها شرط لا غنى عنه لنجاح الانتقال.
ويشار إلى أنه قد تمت الموافقة على قانون العدالة الانتقالية سريعا في ديسمبر الماضي بشكل معيب قانونيا، وهذا لا يساعد في التقدم بعملية المصالحة. وبحسب ما يعتقد الباجي السبسي فإنه ما لم يعدل القانون فقد يضع ذلك العراقيل في طريق الانتقال نحو الديمقراطية.
الانقسام
وخلال السنوات الثلاث الماضية، منذ بداية الربيع العربي الذي أطاح بالدكتاتور زين العابدين بن علي، صارعت تونس كي تغلب الانقسام بين الحكومة التي يقودها الإسلاميون والعلمانيون. وخلال السنتين الطويلتين اللتين تبعتا انتخابات عام 2011 التي أنتجت حكومة الائتلاف التي يقودها الإسلاميون، اتسمت هذه الفترة باحتدام التنافس بين الفريقين.
وجرت خلال تلك الفترة مجموعة من الأحداث منها الهجوم على السفارة الأميركية بتونس في سبتمبر عام 2012، واغتيال سياسيين يساريين، فضلا عن منازعات دموية بين الجيش وقوات الحرس الجمهوري، إلى جانب أعمال إرهابية أخرى، وهو ما دفع الأطراف المتنازعة إلى الالتفات نحو انزلاق البلاد باتجاه الحرب الأهلية. وفي البداية حاول ائتلاف النهضة التمسك بالشرعية الانتخابية.
ولكن الإسلاميين لم يحتاجوا إلى وقت طويل لإدراك أن المشهد السياسي تغير منذ تقلدهم السلطة عام 2011. ووجد حزب النهضة نفسه في مواجهة مجموعتين معارضتين جديدتين هما "الاتحاد من أجل تونس" مع حزب نداء تونس في جوهره، فضلا عن الجبهة الشعبية اليسارية.
والخطر من الانجراف للحرب الأهلية كنتيجة لتصاعد التوترات الداخلية، مضاعفة بالمثال ألسيئ الذي خلفته محاولات الإخوان المسلمين في الهيمنة على السلطة في مصر، اقنع في نهاية المطاف حزب النهضة بضرورة التنازل عن السلطة.
وفي الأشهر القليلة الماضية، أفسحت سياسة اللعبة الصفرية المجال للسياسة القائمة على الإجماع وخاصة بين النهضة ونداء تونس. وفي أكتوبر عام 2013 صقلت المفاوضات التي أجريت وجها لوجه بين السبسي والغنوشي الطريق نحو استئناف الحوار الوطني بين جميع الأطراف السياسية.
وعُقد الحوار تحت رعاية النقابات العمالية القوية واتحاد الأعمال ومجموعات حقوق الإنسان واتحادات المحامين. وسمحت الحلول الوسط بتبني الدستور واستبدال ائتلاف الحزب الحاكم لتحل محله حكومة تكنوقراط. وبالنسبة لأغلبية الناس المتعبة من المشاحنات السياسية فقد رأوا أنها عقبة أساسية نحو الاستقرار والتعافي الاقتصادي.تقارب الأحزاب
توجه الحزبان الرئيسيان طوال فترة السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة التونسية نحو الوسط. وأبعد إسلاميو حزب النهضة أنفسهم عن السلفيين بينما كبحوا جماع المتشددين. وكان حزب نداء تونس ناجحا في جعل موقف حلفاء اليساريين أكثر اعتدالا.
ورفض العزل كان قرارا طبيعيا لحزب الباجي السبسي، بالأخذ بعين الاعتبار غلبة الأعضاء السابقين في التجمع الديمقراطي الدستوري، وهو الحزب الحاكم في فترة زين العابدين بن علي.
وتحسنت العملية الانتقالية فور اتفاق الإسلاميين والعلمانيين على إنهاء "حروب الهوية". فكلا الحزبين استطاعا التوصل إلى اتفاق بشأن الدستور في يناير الماضي عندما قررا الانتقال من مواقفهما المتناقضة بشأن الشريعة ووضع المرأة. ولدى توقف دعم الإسلاميين لهامش المحافظة المتطرف أصبح من السهل عقد مقارنات بين القضايا المختلفة.
وبالتالي ناسبت نسخة الدستور المعتمدة الالتزام بالثقافة العربية الإسلامية وبالانفتاح على الثقافات الأجنبية.
