تُهدد الأزمة الراهنة في العراق بزعزعة استقرار البلاد بأسرها، والامتداد إلى أبعد من الحدود العراقية. وقد سيطر مسلحون من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، في الآونة الأخيرة، على مدن ومكاتب حكومية وقنصليات أجنبية، ونهبوا المصارف، وأطلقوا سراح السجناء، أثناء استيلائهم على الموصل وتكريت في اندفاعتهم نحو بغداد. ولا تنبع مشكلات العراق من عودة مسلحي تنظيم القاعدة و«داعش» فحسب، وإنما أيضاً من خطر الفساد في الداخل، والفشل في الحكم، والقمع السياسي، وعدم القدرة على دمج المجتمعات السنية والكردية الكبيرة في تحالف وطني.

ولا يوجد أحد في المنطقة بإمكانه الدفاع ضد هذا النوع من التشدد العنيف الذي يمثله تنظيم «داعش»، ويعد التهديد الذي يشكله على العراق وسوريا والمنطقة الأوسع نطاقا مزعزعا للاستقرار بشكل لا يصدق. ومن جهته، يشكل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تهديدا مزعزعا للاستقرار بالقدر نفسه، لكن من نوع مختلف. فهو لا يستطيع أن يحكم بينما يمضي في القمع والتجزئة.

تقنين وضغوط

وبالتالي، ينبغي أن تقنن المساعدات الأميركية للعراق بعناية، وان تكون مشروطة. والولايات المتحدة يجب أن تضغط من أجل بذل جهود لجعل السنة والأكراد يندرجون في حكومة وطنية فعلية، ويجب أن تحجب المساعدات حيثما هناك انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان، وأن تبعث برسالة هادئة مفادها أنها لن تعترض إذا ما برز زعيم شيعي جديد يجعل مثل تلك الحكومة حقيقة واقعية، ويوثر البلاد على شخصه.

و«داعش» يقاتل حاليا على جبهتين. وهو يحقق مكاسب كبيرة في شمال العراق وغربه، ويحاول في الوقت نفسه الاستيلاء على المزيد من المناطق التي يسيطر عليها الثوار في سوريا. وهدفه المعلن هو إقامة خلافة إسلامية على نطاق أوسع. ومع ذلك، فإنه يواجه حاليا تحديات خطيرة في سوريا من «جبهة النصرة» وغيرها من القوى الأخرى المعارضة، وقد عجز عن تحقيق مكاسب جدية ضد حلفاء الرئيس السوري بشار الأسد.

وما زال من غير الواضح بتاتا ما إذا كان السنة المعتدلون في المناطق الحضرية سيقبلون بحكم «داعش»، بالإضافة إلى أن هذا التنظيم المتشدد لا يمكن أن يحصل على دعم أميركي أو أوروبي.

وسوف تواجه «داعش» تحديات متزايدة في اللحظة التي تتحرك فيها نحو بغداد وجنوب العراق الشيعي أو ضد الأكراد. والنفط أكثر أهمية من أن يسمح لـ «داعش» بالاستيلاء على العراق، على الرغم من أن أي نوع من الجبهة الموحدة أو المقاومة الفعالة السريعة لهذا الكم من المكاسب التي حصدها تنظيم «داعش»، لا يبدو مرجحا عند هذه النقطة.

وما قد ينطوي على صعوبة أكثر بكثير هو منع «داعش» من إقامة جيب أو منطقة مغلقة بشكل مؤقت، على الأقل، في غرب العراق وشماله، وبعض المناطق في شرق وشمال شرقي سوريا. وجزء من سوريا هو بالفعل في وضع فراغ في السلطة، حيث يبدو الأسد على استعداد لجعله يتقيح ويعمل على احتوائه، على الأقل حتى يتمكن من السيطرة على كل المدن السورية الرئيسية، وعلى وسط سوريا.

ومن جهتها، فقدت القوات الأمنية العراقية التي دربتها الولايات المتحدة الوحدة والروح المعنوية والقيادة والفعالية. فهجرها الضباط المؤهلون، أو جرى تهميشهم، وتراجع تماسك الوحدات بشكل مطرد، وازداد تسرب الجنود وأعداد الجنود الأشباح، وهم رجال مدرجون في اللوائح لكنهم ليسوا موجودين في الواقع، كما نما التوتر الطائفي. وقد تدهور أداء جهاز الشرطة في ظل مزيج من الفساد وسوء استخدام للسلطة، مع ميل عناصر هذا الجهاز للتراجع إلى الثكنات كلما حدثت مقاومة جدية.

وأصبح المالكي عدو نفسه، متجاهلا التحذيرات من المستشارين الأميركيين، وفقد ثقة الدول العربية في الوقت الذي همش الأكراد العراقيين. ولم تتمكن قواته من التعامل مع حرب المدن، فحاولت القصف كطريقة لإحراز النصر، لكنها هجرت مواقعها تحت الضغوط، ووجدت نفسها تحت تهديد مستمر من هجمات «داعش» والقبائل السنية.

أسباب الانهيار

وهذا يفسر أسباب انهيار القوات العراقية حول الموصل، وعمليات الفرار الواسعة والمعدات المهجورة وغيرها من عمليات التقدم، والتي تشمل أكبر مصفاة لتكرير النفط في العراق. وهذا يثير أيضا أسئلة جدية حول ما إذا كان العراق بإمكانه التقدم إلى الأمام طالما بقي المالكي في قيادة البلاد. والعراق بحاجة ماسة إلى زعيم وطني جامع يضع البلاد فوق نفسه، ومن دونه فإن «داعش» قد يتحول إلى جيب دائم وتهديد إقليمي، أو قد يجر العراق إلى أسوأ أيام الحرب الأهلية، أو يوجد صراعاً جديداً على النمط السوري في المنطقة.

 

خيار محدود

المشكلة الرئيسية هي أن نوري المالكي قام بإفساد وتقويض الجيش والشرطة والنظام القضائي في عملية تعزيز سلطته ومصالحه الشخصية. وعلى مدى سنوات، أرهب شخصيات سنية رئيسية ودفعهم خارج حكومته، وتجاهل اتفاقات تشكيل حكومة وحدة وطنية، واستبعد الأكراد، وحاول قمع المعارضة السنية المشروعة بطرق ساهمت في ارتفاع مطرد في أعمال العنف والوفيات بين المدنيين. وأثناء حكمه، أصبحت المناصب والترقيات في الأجهزة الأمنية برسم البيع، فازداد التسرب من الخدمة.

وتواجه الولايات المتحدة الآن معضلة كبرى، ينبغي عليها أن تحاول التعامل مع المالكي مجدداً على الرغم من سلوكه والوعود التي لم يف بها لها ولزعماء عشائر السنة منذ ديسمبر الماضي. وينبغي لها التعامل مع احتمال تدخل إيران نيابة عن المالكي، أو أن يصبح «داعش» تهديداً ذا طابع وجودي ودائم.