مع فقدان الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، للمقاتلين المتشددين أخيراً، حان الوقت للاعتراف بان العراق في حالة حرب أهلية مرة أخرى. ربما حرب أهلية بمستوى منخفض حالياً، لكن الوضع سيزداد سوءاً، إلا في حال حصل شيء ما دراماتيكي أو غير متوقع، وسحب العراق بعيداً عن الهاوية. وما يحصل هناك يشكل مأساة للعراق وتهديداً خطيراً للولايات المتحدة.
يعتقد الأميركيون، على ما يبدو، أن الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط المحلي من ترسبات الصخر الزيتي قد حصنت الاقتصاد الأميركي ضد حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن ليس كثيراً. فهيئة الطاقة الدولية حذرت بقدر ما تستطيع من الوضوح من أن انخفاض أسعار النفط المتوقع في المستقبل يعتمد على زيادة إنتاج النفط العراقي أكثر من اعتماده على الصخر الزيتي في أميركا الشمالية.
ثم هناك تحذير مجتمع الاستخبارات من أن الإرهابيين الذين يشعلون الحرب الأهلية السورية العراقية بدؤوا في التفكير في توجيه ضربة ضد أهداف أميركية شبيهة بهجمات سبتمبر انطلاقاً من القواعد الآمنة لهذه الجماعات في شرق سوريا وغرب العراق.
النفوذ الأميركي
وفي المقابل، منذ كانت الحظوظ السياسية - العسكرية المواتية للعراق في ذروتها عامي 2009-2010، كانت الولايات المتحدة تهدر معظم نفوذها وتتخلى عنه. لكن لا بد من الأمل بوجود متسع من الوقت الآن للتعامل مع هذه الفوضى في العراق، لأن البديل هو الكارثة شبه المؤكدة.
والحقيقة الأساسية التي يجب أن تؤخذ بالاعتبار أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بات تواقاً للمساعدة العسكرية الأميركية لاستعادة السيطرة على البلاد. وهذا يمكن أن يمنح الولايات المتحدة النفوذ الذي تحتاج إليه لوضع الحياة السياسية العراقية على أسس أكثر ثباتاً.
وينبغي أن توفر واشنطن الدعم العسكري الذي يرغب به المالكي ضربات بطائرات موجهة عن بعد، وأسلحة، وقدرات استطلاع، ومساعدة في عمليات الاستهداف، وتحسين وتوسيع التدريب لقواته، وحتى ضربات جوية بطائرات مأهولة - لكن بشرط اتفاقه وكبار السياسيين في العراق على تسوية النزاعات الطائفية والعرقية العميقة التي أوصلت البلاد لمحنتها الراهنة.
والأزمة المتفاقمة في العراق ليست نتاج الحرب الأهلية في سوريا أو تسلل المقاتلين الإرهابيين من الخارج، بل نتاج الخوف الكامن لدى المكونات الأساسية للشعب العراقي، أي الأكراد والسنة والشيعة من بعضهم بعضاً. وكل يخشى أيضاً من حكومة مركزية بسلطات غير مكبوحة، تسيطر عليها إحدى هذه المكونات، بعبارات أخرى، ما أصبحت عليه حكومة المالكي. وطالما استمر هذا الوضع القائم، فإن الحرب الأهلية والإرهاب سيظلان يعصفان بالعراق.
الشروط المطلوبة
لذلك، يجب على الولايات المتحدة الإصرار على ما يلي في مقابل حزمة المساعدات العسكرية الكبيرة:
- تعديل دستوري يفرض ولايتين بحد أقصى على رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء (ويفترض ربما أن تستمر ولاية مالكي الثالثة على أن تطبق القاعدة الجديدة على الحالات المستقبلية، وذلك في سبيل دفعه للموافقة، لكن مجرد الإعلان للعراقيين أنه لن يحكم مدى الحياة يمثل مصدر اطمئنان مهماً بأن العراق لن ينجرف مجدداً إلى الدكتاتورية).
- قانون يحدد سلطات واختصاصات وزارة الدفاع والداخلية، بشكل يحد من قدرة رئيس الوزراء على ممارسة تلك الصلاحيات.
- قانون يضع القادة العسكريين في الأقاليم تحت التسلسل القيادي لوزارة الدفاع، ما يمنع رئيس الوزراء من إصدار الأوامر لهم بشكل مباشر.
- إقرار قانون سلطات المحافظات الذي ينتدب سلطات واسعة في مجال التعيين للمحافظات، وسيطرة أكبر لحكوماتها على قوات الأمن المحلية.
- حكومة وحدة وطنية جديدة، تضم قيادياً كردياً وزيراً للدفاع، وقيادياً سنياً من أحزاب المعارضة وزيراً للداخلية. وحكومة الوحدة الوطنية ستكون غير عملية وغير فعالة، لكنها قد تكون ضرورية في الوقت الحالي لإقناع جماعات السنة العرب والأكراد بعدم التخلي عن العملية السياسية في العراق.
- السماح للمحافظات بمحاولة التحول إلى مناطق فدرالية، كما هو محدد في الدستور العراقي.
- إجراء تعديل دستوري يعيد تعريف السلطات التنفيذية للعراق، بوضع الشؤون الأمنية والشؤون الخارجية في عهدة الرئيس، والاقتصاد والسياسة الداخلية تحت سلطة رئيس الوزراء.
يمكن أن تساعد تلك الإجراءات بشكل جماعي في تقويض الدعم السني للإرهابيين المنتمين إلى تنظيم القاعدة والذين يطلقون على أنفسهم تسمية «داعش». لكن من المهم بالقدر نفسه محاولة إحياء الأجهزة الأمنية الضعيفة في العراق. وإذا كان هناك من مجال لإنقاذ العراق في هذا الوقت المتأخر، فإن الحفاظ عليه سيتم فقط باتخاذ الأميركيين والعراقيين تلك الخطوات.
اشتراطات سياسية وأمنية بشأن المساعدات الأميركية
ينبغي إبعاد الطابع السياسي عن القوات الأمنية لكي تتمكن من لعب دور حيادي ومحفز للاستقرار، كما فعلت خلال الفترة 2008-2010. وتحقيقاً لهذه الغاية، يجب أن تصر واشنطن على قبول العراق ألوف المستشارين الأميركيين بحصانة قانونية كاملة وتسلسل قيادي يعود إلى واشنطن، وهؤلاء بحاجة لاستعادة برامج التدريب التي جرى حلها للعراق، ومرافقة التشكيلات العسكرية العراقية في الميدان لتوفير التوجيه المباشر لها، وتخويلها سلطة ترقية الطواقم العراقية أو صرفها لإعادة بناء سلك الضباط.
لكن تبدو إدارة الرئيس الأميركية باراك أوباما غافلة عن العراق مهما وصلت إليه الأمور من سوء، وقد ترفض بغداد التخلي عن قبضتها الحديدية على النظام السياسي.
