كان خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن السياسة الخارجية الأميركية الذي ألقاه أخيراً قائمة بالأشياء التي لا يريد فعلها. فالرئيس لا يريد الانسحاب من العالم. وفي الوقت ذاته لا يريد استخدام القوة العسكرية لحل جميع المشكلات. وفوق كل ذلك، لا يريد أن يتورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط، أو في أي مكان على الإطلاق.

إلا أن مذهب ضبط النفس هذا يستثني بعض الأمور، ومنها «الإرهاب»، فأوباما على استعداد لاستخدام قوة الولايات المتحدة العسكرية بشكل مباشر إذا تطلب الأمر، وبشكل غير مباشر إذا كان ذلك ممكناً.

تغير الاستراتيجيات

وهذا يفسر السبب الذي دفع أوباما إلى إرسال مستشاريه إلى إفريقيا حتى مع انسحاب جيش بلاده من العراق ومن أفغانستان. ووافق أوباما من دون أن يلاحظ أحد تقريباً على أن تصعد بلاده بشكل تدريجي إجراءاتها في أكثر المناطق تعقيداً وخطورة على الإطلاق أي في سوريا.

 ومنذ نحو عامين فقط، اقترحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ومساعدون آخرون تسليح وتدريب المعتدلين في صفوف الثوار الذين يقاتلون الرئيس بشار الأسد، ولكن الرئيس أوباما رفض الفكرة، قائلاً إن الثوار لم يكونوا منظمين، مضيفاً إن الالتزام معهم قد يدفع الولايات المتحدة الأميركية إلى التدخل العسكري.

إلا أن أوباما أقدم على تبني الخطوات التي رفضها في السابق. وقال المراقبون إن الرئيس وافق على «زيادة» ضخ الأسلحة متوسطة التأثير، والتي بدأت واشنطن بضخها العام الماضي. ولربما الأمر الأكثر أهمية هو أن الرئيس أراد إرسال قوات أميركية إلى الأردن ودول أخرى تجاور سوريا لتدريب وحدات الثوار، مفترضاً موافقة الكونغرس والدول الأخرى.

ما الذي تغير؟ لم تتغير فرص الثوار المعتدلين بالنصر في معركتهم ضد نظام بشار الأسد والقاعدة. فبعد سلسلة من النكسات العسكرية، أصبح وضع الثوار اليوم أسوأ مما كان عليه قبل عامين. فاليوم بات الوضع ينذر بالخطر بنمو الجماعات المتطرفة في سوريا وبعضها متحالف مع القاعدة. وهذا هو ما غيّر رأي الرئيس الأميركي باراك أوباما.

التهديد الأمني

ومنذ فترة ليست ببعيدة، فجر أول مواطن أميركي من فلوريدا نفسه في عملية انتحارية في الحرب في سوريا. وتؤكد طريقة مصرع هذا الرجل الاتجاه الذي تمضي فيه الأمور. فنحو 70 أميركياً ونحوهم من الكنديين ومئات آخرين من الأوروبيين انضموا إلى الجماعات المتشددة في سوريا. ولدى تدريب واختبار هؤلاء قد يعود بعضهم إلى أوطانهم وينفذوا عمليات إرهابية.

وقال مسؤول أميركي مخضرم حديثاً إن: «ما استقر في عقولنا هو تهديد المقاتلين الأجانب، وهذا يحتم علينا الآن التفكير بمصالح الأمن القومي الحقيقية». ووجدت الولايات المتحدة لها موضع قدم في سوريا بداية بدعوى التصدي للتراجيديا الإنسانية هناك ومأساة اللاجئين. ولكن ذلك لا يعد تدخلاً مباشراً، غير أنه قد يبرر استخدام القوة العسكرية.

وفي الوقت ذاته، هذا لا يعني أن الرئيس أوباما يعتزم شن ضربات عسكرية مباشرة تستهدف الجماعات الإرهابية في سوريا، على الأقل ليس في الوقت الراهن. إلا أن هذا الخيار بحسب المسؤولين الأميركيين بات يكتسب اليوم «مشروعية قانونية».

وتصب الولايات المتحدة حالياً تركيزها على التأثير في التوازن في الحرب الأهلية وتقديم بديل للقاعدة للشبان السوريين الذين يريدون القتال، فضلاً عن تجنيد وكلاء لمخابراتها لتصيد الإرهابيين المحتملين. ويؤكد المراقبون أنه في الوقت الذي تضع واشنطن هذه الأهداف على قائمة اهتماماتها، يظهر جلياً أن انتصار الثوار العسكري ليس من ضمن اهتماماتها لأنه أمر صعب المنال.

تغير الأوضاع

 

كان يتوجب على الرئيس الأميركي باراك أوباما الاستماع إلى وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وكل من ليون بانيتا وديفيد باتريوس وقبول إرسال مساعدات عسكرية إلى الثوار في سوريا وذلك قبل عامين من الآن، أي قبل ازدياد عدد المتشددين. ولكن لا بأس فإن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً.