فلندع جانباً الاهتمام بمن يتعين أن نلقي عليه اللوم فيما يتعلق بهجوم عام 2012 على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي، فأميركا لديها مشكلة أكبر الآن في ليبيا. فاللواء السابق خليفة حفتر الذي أصبح مواطناً أميركياً يسعى حالياً للانقلاب على الوضع السياسي في ليبيا، في خطوة قد تكون عواقبها وخيمة على الولايات المتحدة وليبيا.
وكان اللواء حفتر واحداً من الضباط الليبيين الذين قاتلوا في حرب الرئيس السابق معمر القذافي الكارثية مع تشاد في ثمانينيات القرن العشرين. ولكنه قرر في وقت لاحق تغيير وجهته إلى الولايات المتحدة.
وبينما كنت أعد الأبحاث اللازمة لكتاب يتناول جذور الثورة الليبية عام 2011 أزحت الستار عن العديد من المؤشرات للعلاقات المشتركة بين حفتر والولايات المتحدة والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وهي كانت المعارض الرئيسي في المنفى للعقيد معمر القذافي في ذلك الوقت.
تجنيد أميركي
واشتملت هذه المؤشرات على تأكيدات بأن وكالة المخابرات الأميركية جندت اللواء حفتر لمساعدتها في تحضير نشاطات عسكرية استهدفت العقيد القذافي. واستقر اللواء حفتر في ولاية فيرجينيا، ووجدتُ أنه كان مسؤولا عن تدريب الليبيين كي يصبحوا رجال حرب عصابات محتملين.
إلا أن هذه التحضيرات لم تؤت يوما أكلها، بل وعلى النقيض من ذلك، غيرت الولايات المتحدة في تسعينيات القرن العشرين استراتيجيتها ساعية إلى التقرب من القذافي.
وقد عاد اللواء حفتر إلى ليبيا إبان خروج الثوار الليبيين على حكم القذافي عام 2011 ودخول قوات «ناتو» البلاد، آملا في أن يقود قوات الثوار، إلا أنه خسر أمام عبد الفتاح يونس، وزير الداخلية السابق خلال حكم القذافي. وفي فترة لاحقة اغتيل هذا الأخير في عملية ألقيت مسؤوليتها على عاتق الميليشيات المسلحة الناشئة في بنغازي.
برز حفتر من جديد أخيراً كقائد ميداني مدعوم بالدبابات والطائرات لهجوم على مخيمات الميليشيات المسلحة في بنغازي. وفي الوقت ذاته أنهى أنصاره جلسة للبرلمان في العاصمة الليبية طرابلس. من جهته أدعى حفتر التخطيط لهذه المناورة، بالتحرك جيئة وذهاباً بين الشخصيات العسكرية الليبية في المدن الكبرى في خطوة تشبه ما أقدم عليه القذافي عام 1969.
ويطلق حفتر على مشروعه اسم «عملية الكرامة». وفي المقابلات التلفزيونية يصف نفسه بالوطني الحريص على تأدية الواجبات المدنية، وذلك لحمل الليبيين على ترك دعم الإخوان المسلمين. ويتحدث أيضاً عن تطهير ليبيا ممن يسميهم بالمتشددين وبخاصة في بنغازي، حيث يلقي عليهم باللائمة في أعمال القتل والخطف.
ولم يشر حفتر إلى هدفه النهائي، ولكنه أكد أنه لن يرفض دوراً قيادياً إذا ما طرح عليه الأمر. وفي الأيام القليلة الماضية، نال اللواء حفتر دعم الجيش الليبي ووحدات القوات الجوية، فضلاً عن ميليشيات مهمة وأعضاء بارزين مثل كبار أفراد قوات الأمن الاقليمي، بالإضافة إلى بعض قادة ثورة 2011.
تحاشي التعليق
ولم تعقّب الولايات المتحدة من جهتها على حفتر ومشروعه. ويبدو أنها تتحاشى قبول أو رفض شخص اللواء حفتر. مقتصرة على التعبير عن قلقها بشأن ما تسميه وضعاً زئبقياً للغاية، فضلاً عن ضم صوتها للنداءات الدولية المطالبة بتخلي جميع الأطراف عن العنف.
وفي هذا الصدد دعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري الدبلوماسي المخضرم ديفيد ستراتفيلد للتوجه في بعثة إلى ليبيا، ولكنه لم يشر إلى وجود أي علاقة مباشرة لذلك بتحرك اللواء حفتر.
وفي مؤتمر صحافي لها تجنبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي مناقشة أمر اللواء حفتر، ولكنها أكدت على دعم بلادها للشعب الليبي ولمسيرة الديمقراطية ولردود الفعل البرلمانية على الوضع الحالي.
وبشكل عام فإن مناورات حفتر تتسم بالنجاح. ولكن هل سيدخل يوما ما في المسيرة الانتخابية؟ وبالنظر إلى ماضيه فإن الكثير من الليبيين يعتقدون أن الولايات المتحدة تسانده. وهذا الاعتقاد في حد ذاته مشكلة. وبعدم رد الولايات المتحدة على هذا الادعاء فإنها تغذي الشكوك بأنه جزء من البرنامج الأميركي.
وفي الوقت الراهن، يعد خروج حفتر إلى الساحة السياسية مكسباً نوعياً. وفي واشنطن أعرب بعض خبراء السياسة بالإضافة إلى مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية عن ارتياحهم لأن أحداً سيخلف حركة أنصار الشريعة، المتهمة بشن الهجمات على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي.
العلاقة مع ليبيا
على الولايات المتحدة توضيح موقفها من اللواء خليفة حفتر،والسؤال يقول :لكن لاتزال لواشنطن علاقة به،هل تتعاطف مع وجهات نظره المنادية بحل البرلمان؟! أم أن تعاطفها يقتصر على بعض تصريحاته والمتمثلة على سبيل المثال في اقتلاع المتشددين من بنغازي؟ .لأكثر من مرة وقعت الولايات المتحدة في مشكلات عدة لعدم توضيحها شكل العلاقة مع ليبيا.
