تنهمك تونس اليوم في التضامن من أجل حياة ديمقراطية، وهي على الرغم من كونها دولة صغيرة ذات 64 ألف ميل مربع يقطنها 11 مليون شخص تعد دولة مهمة جداً بالنسبة لاستقرار كل المنطقة العربية. وهذه الدولة التي انطلق منها الربيع العربي تستعد اليوم لتصبح أول قصة نجاح في المنطقة، ولكن ذلك فقط في حال دعمت الاقتصاد الضعيف، وكبحت تهديدات الإرهاب والجريمة، واستكملت الإصلاحات الحكومية المطلوبة.
وبعد مرور ثلاث سنوات على إحراق البوعزيزي لنفسه احتجاجاً على فساد السلطات ومضايقتها، إلى جانب انتفاض الشعب في وجه القائد المستبد مهدت تونس الطريق لمستقبلها. وفي يناير الماضي اعتمد المواطنون دستوراً جديداً تمت مناقشته بشكل واسع ومُرر بإحرازه أكثر من 90% من الأصوات في الجمعية الدستورية. وأيدت كل القطاعات هذا الدستور، الذي يوازن بين العلمانية والإسلامية، الذي ينظر إليه على أنه نموذج يحتذى به في المنطقة.
المحكمة الدستورية
وكدليل آخر على إحراز تقدم يذكر، مرر البرلمان حديثاً قانوناً لإنشاء هيئة قضائية للبت في دستورية القوانين الجديدة، وهذه الهيئة ستحل محلها محكمة دستورية جديدة بعد الانتخابات المقبلة.
وينتظر الكثير من الجهات المانحة وعدد من المستثمرين وبخاصة في الغرب ومنطقة الخليج هذه الانتخابات قبل الالتزام بتقديم المزيد من المساعدات. ويأمل المواطنون أن لا تعاود النزعة التحزبية التي أدت إلى تقسيم البلاد بعد الثورة الظهور مجدداً. وبحسب ما قال قيادي في إحدى النقابات فإن هذا الإحباط هو الذي ساعد في تمهيد الطريق للحكومة الجديدة، «قبل الناس حكومة تكنوقراط لأنهم ضاقوا ذرعاً بالأحزاب السياسية».
ولكن لا تزال هناك الكثير من التحديات أمام تونس، وأكبرها التحدي الاقتصادي. فالاقتصاد لا يزال تحت قبضة الدولة ويعتمد على كثير من أوجه الدعم الذي لا تستطيع الدولة تحمله. ويقول البعض إن الدولة التونسية على حافة الإفلاس. رئيس الوزراء المؤقت مهدي جمعة زار الولايات المتحدة والخليج أخيراً لطلب مساعدات مالية، وضمانات للقروض. وتوافق جمعة مع رأي مؤسسات كصندوق النقد الدولي على ضرورة إنهاء برامج الدعم.
ولكن ذلك يعني أن هناك تبعات سياسية واجتماعية ستترتب على ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء المفاجئ، لا سيما مع انخفاض عدد الوظائف الحكومية. فالبطالة في تونس تفوق حد 15% وتشمل نحو 40% من فئة الشباب. وفي بادرة حسن نية، أعلن الرئيس منصف المرزوقي منذ فترة قريبة أنه سيخفض راتبه بنحو الثلثين.
ولكن مستقبل تونس لن يُؤمن من دون الدعم الدولي. وكما قال مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي ومجموعة من المراقبين الدوليين: «في حالتي تونس والمغرب نحتاج إلى خطة مارشال».
الضرورة الأمنية
يعد الإرهاب أحد التحديات التي يواجهها التقدم في تونس، لا سيما مع تدفق الأسلحة وتهريب الأسلحة من خلال السوق السوداء عبر الحدود مع الجزائر وليبيا. وفي حديث معها قالت سهام بن سدرين، الصحافية البارزة والناشطة في حقوق الإنسان إن :«رجال العصابات يسيطرون على الأسلحة وتجارة المخدرات». وأوضحت السياق الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة العنف والأنشطة غير المشروعة قائلة : «لا نريد إعطاء المتشددين غطاء دينياً، فهم مجرمون. والعنف ينبع من الفقر. وهناك جيل من الشباب المهمش، والدولة لا تملك المال الكافي».
مركزية الحكومة
يتوجب على تونس تفكيك وإصلاح البنية الدكتاتورية القديمة، بما في ذلك الشرطة ووزارة الداخلية. ويقول المراقبون المطلعون على الشأن الداخلي التونسي إن نجاح التحول الديمقراطي في أي بلد يعتمد على قدرة الحكومة على تقليل مركزيتها. وتركيز الحكومة على المستوى الوطني ولد الفساد. وفي هذا الشأن تقول الصحافية التونسية سهام بن سيدرين : « طالما أن إدارة الحكومة مركزية، فإنها تحصل على العديد من المنافع».
