بدأ الإعلام الغربي حتى قبل فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية في مصر بالصراخ بـ«انخفاض نسبة الإقبال» على التصويت. وفي مؤتمر صحافي عقده فريق مراقبي الاتحاد الأوروبي للانتخابات، اختار بعض المراسلين إلقاء خطب لاذعة بدلاً من أن يسألوا أسئلة مهنية. وفي الواقع، فإن رئيس الفريق ماريو ديفيد تجاوز دوره بإطلاقه عبر قناة الجزيرة خلال فترة التصويت إدانة القضاة الذين أطلقوا أحكام الإعدام، وليعرب عن تعاطفه مع السجناء من الإعلاميين، وبهذا فقد أعلن وداعه للحيادية.
آراء مخالفة
ولديفيد كل الحق في التعبير عن وجهة نظره الشخصية، ولكن من دون أن تكون آراؤه بشأن الانتخابات موجهة. وانطوت تصريحات «الجزيرة» على تكذيب للتقديرات الرسمية بشأن الاقتراع. وفضلت أن تذيع تقديرات جماعة الإخوان المسلمين ذات الـ10%، بينما بثت مقاطع فيديو لمراكز اقتراع مهجورة.
ويأتي ذلك فيما قال مراقبو الاتحاد الأوروبي وآخرون يعملون في منظمة «الكوميسا»، إن هناك حماساً في الإقبال على الانتخابات. والأهم من ذلك أنهم وصفوا التصويت بـ«الحر والديمقراطي».
وأعلن ماريو ديفيد أن نسبة الاقتراع كانت 46%. وقال مسؤولون محليون إنها وصلت إلى 48%، وهذه النتيجة ليست أقل من النسبة في الانتخابات الرئاسية عام 2012، عندما صوّت 46% من هؤلاء المؤهلين للإدلاء بأصواتهم خلال المرحلة الأولى من الانتخابات. وهذه النتيجة قفزت إلى 51% في الدورة الثانية من الانتخابات. ويذكر أنه قبل نحو عامين كان عدد المؤهلين للتصويت أقل من 51 مليون شخص، بينما ارتفع عدد المسجلين للتصويت هذه المرة إلى 53 مليون. وبهذه المناسبة كان الاقتراع أقل من المتوقع، ولكن بالنظر إلى العوامل الستة التالية، فإنه كان أكثر من جيد.
أجواء الانتخابات
أولاً، ليس من المفاجئ أن المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قاطعوا الانتخابات، بينما كانوا قد أقدموا على التصويت عام 2012. وهناك قطاعات شبابية قاطعت الانتخابات بسبب اعتراضها على قانون التظاهر، وعلى السماح للشرطة بدخول حرم الجامعات، ومنحهم حق إخماد الاحتجاجات العنيفة، وهذا لا يعني أن فئة الشباب لم تشارك.
ثانياً، كان هناك إحجام تجاه الانتخابات مقارنة بالوضع قبل سنتين، وهي الانتخابات التي تبعت ثورة يناير 2011، إذ كانت الآمال بمستقبل أفضل في أوجها. وقد انتقل هذا الإحجام أيضاً إلى مؤيدي عبد الفتاح السيسي في الميدان.
ثالثاً، أدى ارتفاع درجات الحرارة على امتداد البلاد، وبخاصة شمالي مصر وشبه جزيرة سيناء، إلى انخفاض عدد المصوتين، وكثير من هؤلاء لم يستطيعوا الوقوف طويلاً في صفوف الناخبين تحت أشعة الشمس الحارقة، مقارنة بارتفاع عددهم في فترات الصباح والمساء.
وفي هذه المرة ارتفع عدد مراكز الاقتراع بنحو 4 آلاف مركز، ومن ثم فإن الناخبين كانوا متفرقين، ولذلك ظهر أنهم أقل عدداً، وأكثر من ذلك فقد تم تبسيط عملية التصويت.
رابعاً، كان من المؤسف أن نحو 5 ملايين عامل منعوا من التصويت في أماكن إقامتهم، واضطروا إلى التوجه لمدنهم وقراهم، حيث سجلت أسماؤهم. ويشار إلى أن اللجنة الانتخابية مددت فترة التصويت حتى يتمكن هؤلاء من الذهاب إلى قراهم للتصويت. فالذهاب بالباص أو بالقطار من القاهرة إلى الأقصر، على سبيل المثال، يستغرق 9 ساعات، أما الرجوع من شرم الشيخ إلى القاهرة بالحافلة فإنه يستغرق 11 ساعة.
تحقيق الأمن
خامساً، بنيت هذه الانتخابات على أساس القواعد الدولية، بينما ساد انتخابات عام 2012 الكثير من الغش والمخالفات. فالإخوان المسلمون أجروا حافلات لنقل المقترعين إلى مراكز الانتخابات، وطرقوا الأبواب ليوزعوا المال والغذاء مقابل تصويت الناس، وقدموا الرشى مقابل شراء أصوات الناخبين.
سادساً، تعتبر نقطة تغافل الإعلام الغربي المعارض للسيسي غاية في الأهمية، لا سيما أنه يتساءل عن شرعية الأخير.
الأمن أولاً
في عام 2012، انتهى المطاف بمحمد مرسي إلى إحراز 13.25 مليون صوت، أي 51.73% من نسبة المصوتين، بينما أعلنت حملة السيسي أنها كسبت 23.38 مليون صوت، أي أكثر من 90%. أي بفارق أكثر من 10 ملايين مصري صوتوا للسيسي.
ويريد المصريون الانتقال من ثلاث سنوات من الاضطراب، وهم يطمحون إلى تحقيق الأمن فوق كل شيء. وقال مصري في أواسط عمره في مقابلة تلفزيونية: «الأمن أكثر أهمية من الأكل. فما نفع أن تسمن فقط من أجل أن تذبح كالبقرة».
