هل ستذهب ليبيا في الدرب نفسه، الذي ذهبت فيه مصر، أم أن الأطراف المختلفة ستنتقل من المواجهة إلى حرب أهلية شاملة، كما هي الحال في سوريا؟ الوضع الحالي في ليبيا لديه عناصر من السيناريوهين، لكن له أيضاً اختلافات حاسمة لأن السلطة كانت متشرذمة إلى حد بعيد، منذ إطاحة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي في عام 2011، والمعارضة لم تكن قادرة مطلقاً على ملء الفراغ الذي خلفه سقوطه.
وتتولى السلطة في الأساس ميليشيات متناحرة، أكثرها فعالية تلك التي تستوطن في زنتان ومصراته، التي يقدر عددها بنحو 250 ألف عنصر، منهم 30 ألف عنصر كحد أقصى قاتلوا ضد القذافي. وعلى الرغم من أنها تتلقى رواتبها من الميزانية المركزية، فإن هذه الميليشيات موالية لقادتها ومناطقها. وهناك مراكز قوى عدة: البرلمان الذي يبدو تفويضه مهزوزاً، بعد تأجيل الانتخابات، وحكومة مختلة الوظائف استرضت الميليشيات، وهي أضعف كثيرا من أن تواجهها، ومجموعات إسلامية ومجموعات متشددة، وفيدراليون ومناوئون للفيدرالية، ومجموعات ومصالح ما زالت حية منذ حقبة القذافي.
وتنافر الجهات الكثيرة الفاعلة في السياسة الليبية أدى إلى انتشار الفوضى، لكن التنوع الكبير لهذه الجهات يعني أيضاً أنه لا أحد حتى الآن كان قوياً بما فيه الكفاية للمخاطرة بقتال حتى النهاية. وهذا يمكن أن يتغير الآن، حيث إن شبه الانقلاب الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يعمل حافزاً في ظل عناصر متباينة تختار أحد الجانبين، وتندد بخصومها باحتدام متزايد، لكن حفتر وأعداءه غير متأكدين من قوتهم الخاصة، وفيما هم يتحدثون بثقة مبالغ بها، إلا أنهم اكثر حذراً بشأن ما يقدمون عليه.
ولهذا استولت كتائب القعقاع، والسويق، من زنتان على البرلمان (المؤتمر الوطني العام) نيابة عن حفتر أخيراً، لكنها ما لبثت أن انسحبت لاحقاً.
وهناك استقطاب في جميع أنحاء البلاد، لكن ما زال أمامه شوط، والتأييد لحفتر هو أقوى من المتوقع لكنه متداع، حتى وإن كان يتماشى مع المزاج في معظم البلاد، والمشكلة هنا هي أن حفتر قد يكون قادراً على الاستفادة من الاستياء الجماهيري، لكن جيشه الوطني الليبي هو في حد ذاته ميليشيا.
أزمة مقبلة
وهناك أزمة مقبلة بشكل واضح، لكن انقلاب حفتر ما زال يوحي كما لو أنه الفصل الأول من هذه الدراما، التي سيكون لها المزيد من الأحداث المتتابعة، والكثير منها سيكون عنيفاً، لكن من دون أي فائز نهائي بالضرورة. والوضع الحالي يوحي بوضع شبيه بلبنان، حيث هناك العديد من مراكز السلطة من دون دولة مركزية قوية، أكثر منه بمصر وسوريا، حيث التقاليد المتعلقة بوجود سلطة مركزية قوية. وفي ليبيا كما في لبنان خلال الحرب الأهلية، فإنه من المرجح أن يكسر التدخل الخارجي حالة الجمود، ويحدد سرعة واتجاه الأحداث.
منذ البداية، ما يدعى انتفاضات الربيع العربي كانت مزيجاً غريباً من الثورة والثورة المضادة والتدخل الأجنبي، واتسمت بضعف عميق لا يمكن تجنبه منذ اليوم الأول، وبعض من هذا الضعف تم إلحاقه ذاتياً. آمن قادتها بدعايتهم الخاصة، ورأوا المصائب في بلادهم بأنها فقط نتائج الفساد وعدم كفاءة الأنظمة القديمة، واقتصرت رؤيتهم للعالم على اللونين الأسود والأبيض بتشويه أعدائهم، وعدم السماح بحل وسط. وفي العام الماضي، قيل لليبيين، الذين عملوا لدى القذافي، إنه سيجري عزلهم.
تغيير محتمل
من المرجح أيضاً أن يعجل التدخل الخارجي بحرب أهلية بقدر ما يعمل على منعها. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من سوء الوضع في ليبيا، فإنه لا يوجد شيء حتى الآن مثل العنف في العراق وسوريا وأفغانستان أو لبنان خلال الحرب الأهلية، لكن هذا قد يتغير بسرعة كبيرة إذا تحولت المواقف المحتاطة إلى مواجهات عسكرية.
