يظهر فشل الجهود الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري في تحقيق أهدافها، في تقريب الإسرائيليين والفلسطينيين من اتفاق سلام، ماذا يحصل عندما ترى العالم بالطريقة التي تريدها، بدلاً مما هو عليه حقاً.
ووزير الخارجية الأميركي وقع في أحد الفخاخ التقليدية في مجال التفاوض والوساطة: أصبح على اقتناع بأنه لا غنى عنه، وكذلك بمركزية وجوده في تلك العملية، وبالغ بشدة بقدرته على إحداث انفراج.
وأخطأ كيري في حساب دوره بطرق ثلاث: اعتقد أن الوقت قد حان لاستعراض نفوذه، ولم يكن هذا صحيحاً. واعتقد أن لديه مهارات الإقناع لتحقيق النجاح الذي يتوخاه، ولم تكن لديه تلك المهارات. واعتقد أيضاً أن هذه فرصته الأخيرة، ولم يكن الأمر كذلك.
وتوقيت كيري قد يبدو وليد الصدفة. فالرئيس الأميركي باراك أوباما المصمم في ولايته الثانية على التركيز على إرثه المحلي، كان عليه تفويض المزيد من صلاحياته في مجال قرارات السياسة الخارجية، بدلاً من الهيمنة عليها.
كما كان الوضع مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون. وكان هناك العديد من الأوضاع الدولية الصعبة المثيرة للقلق التي تحتاج إلى معالجة، بما في ذلك سوريا التي تحولت إلى أزمة أكبر بكثير خلال الولاية الثانية لأوباما.
ابتكار شخصي
وعدم تمكن المرحلة الأولى من هذه المفاوضات من تشكيل قوة دافعة، كان بالإمكان أن يطلق جرس الإنذار عند دبلوماسي أقل ثقة بنفسه، ذلك أنه من دون إلحاح كاف من الطرفين للتوصل إلى اتفاق، أصبحت المباحثات عملية خاصة بكيري أكثر بكثير من كونها من صنع إسرائيل أو الفلسطينيين.
ولم يكن أوباما مشغولاً كثيراً بهذه المسالة أيضاً، في الوقت الذي يحتاج وزير خارجية إلى دعم كامل من رئيسه ليحقق هدفه. وبحلول فصل الربيع، آلت جهود كيري إلى مجرد محاولة للحفاظ على مواصلة المباحثات، وفي النهاية، لم يتمكن حتى من القيام بذلك.
وباستثناء هنري كسينغر، الذي شكلت حرب 1973 حافزاً له، فإن أياً من أسلاف كيري، من جورج شولتز إلى جيمس بيكر إلى لورانس إيغلبرغر، ووارن كريستوفر، ومادلين أولبرايت، وكولن باول وكوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون، لم يكن على استعداد للغوص عميقاً. كانوا مشككين جداً، وفي معظم الأحيان، غير متأكدين من كيفية المضي قدماً.
وهذا التذكير بواقع الأوضاع قد يكون مقيداً، لكنه أبقى الدبلوماسية الأميركية على الأرض. وحتى بيكر الذي حقق اختراقاً كبيراً في مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، لم يكن يتوجه إلى المنطقة خلال سنواته الأولى كوزير خارجية، لأنه أدرك أنه لا فرصة لديه في الوصول إلى ما يقرب من اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ولا نعلم بالضبط ما هي الضمانات التي تلقاها كيري من نتنياهو وعباس، لكن ما نعرفه هو أنه بعد تسعة شهور من الجهود المكثفة، انتقلت العملية من محاولة للتوصل إلى اتفاق شامل بشأن الحدود والأمن واللاجئين والقدس، إلى مناقشات عن اتفاق إطار أكثر عمومية، إلى معركة خاسرة حول تمديد أمد المحادثات لا غير.
عوامل مهمة
وجميع الوسطاء بحاجة إلى الثقة بأنفسهم، لكن من المحتمل أن يضيعوا المنظور الدقيق، بالإيمان بالمفاوضات، والتفكير بها كثيراً من جانب شخصياتها والعلاقات الشخصية. ومن المفهوم تماماً، أن يميل الوسيط إلى التقليل من عوامل أخرى أكثر أهمية من مهارات الإقناع الشخصية لديه، وتحديداً السياسات الداخلية والمصالح الوطنية.
وإيمان كيري وقناعاته هو ما أوجد فكرة الفرصة الأخيرة التي جاءت بنتائج عكسية. وكيري قال للعالم إنه من دون حل الدولتين، فستحل الكارثة، وحذر عن انتفاضة ثالثة، ونهاية إسرائيل كدولة يهودية، ومقاطعة دولية، كما حذر إسرائيل من أنها قد تتحول إلى دولة فصل عنصري.
وكيري لا يمكنه تخويف القادة الإسرائيليين والفلسطينيين للقيام بشيء لا يرغبون في القيام به. وهذا النهج كان تجسيداً للعزم والقوة الأميركيتين فارغتي المضمون، لا سيما في ظل غياب الدعم من قبل البيت الأبيض.
وهذه لم تكن الفرصة الأخيرة للسلام في الشرق الأوسط، كما أكد كيري. فلو كانت كذلك، لماذا لم تصبح تركيز سياسة أوباما الخارجية؟ والإجابة تبدو واضحة جداً.
وعندما تستأنف عملية السلام لكيري، كما سيحصل بالتأكيد، فإن الولايات المتحدة ستحتاج لجعل الجانبين واثقين ومتحمسين على الأقل لها، بقدر واشنطن.
مفاوضون ونتائج
ينفق الوسيط ساعات طويلة مع القادة المعنيين أثناء المفاوضات. وهم يشجعونه من خلال الظهور بمظهر المستعد للنظر في المعالجات والتنازلات التي تبدو جديدة، حتى على القضايا الأكثر حساسية. ويعتقد بطريقة ما أن علاقاته الشخصية بإمكانها تحريكهم على قضية محددة. ومن المفهوم أن يميل إلى تقليل عوامل أكثر أهمية في الاتفاق.
وهذا ما حصل للمفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين خلال المباحثات في السويد مايو 2000، وللرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع نتنياهو وعرفات في قمة واي ريفرفي أكتوبر 1998.
وعامل في القرار لعقد قمة كامب ديفيد في يوليو 2000، كان اقتناع كلينتون أن بإمكانه جمعهما بفضل قوته في الإقناع. باستثناء وجود كلينتون كسلاحها السري، لم تكن لأميركا استراتيجية حقيقية في كامب ديفيد، وليس مستغرباً أن هذا لم يكن كافياً.
