قبل فترة قصيرة، قام نائب معارض في البرلمان بالمطالبة بتحقيق برلماني في إجراءات السلامة في منجم فحم في دائرته الانتخابية، وصرح اوزغور اوزل: «لقد سئمنا الذهاب إلى مآتم عمال المناجم» متحدثاً عن تلقيه فيضاً من الشكاوى حول شروط السلامة في تلك الحفرة.

فأجابه نائب في حزب العدالة والتنمية الحاكم: «ما تقوله عبارة عن هراء»، زاعماً أن مناجم البلاد أكثر أماناً من أماكن كثيرة أخرى في العالم. وفي كلمات ستطارد لاحقاً رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أضاف نائب حزب العدالة والتنمية: « لا شيء سيحدث في المناجم، ولا حتى النزف الوراثي».

وما جرى في منجم «سوما» أخيراً بالكاد يمكن وصفه بالنزف الوراثي. فقد لقى حوالي 300 من عمال المناجم حتفهم في انفجار تحت الأرض، وزيارة المنجم من قبل أردوغان زادت الطين بلة، حيث أعضاء من حاشيته اشتبكوا مع المحتجين الذين أحاطوا بسيارته وبدأوا بركلها.

والوفيات الأخيرة شكلت مأساة على نطاق واسع، حتى بالنسبة إلى بلاد لديها أسوأ سجل في التعدين بأوروبا، لكنها شكلت أيضاً تطوراً جديداً في الأزمة السياسية طويلة الأمد في تركيا، والتي شهدت استمرار حزب العدالة والتنمية في السلطة.

وفيما استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه على المتظاهرين في إسطنبول وأنقرة وأزمير لم تكسر شعبية أردوغان في الانتخابات الأخيرة، سيكشف رده القاسي على الوفيات في منجم «سوما»، عما قد يكون ضعفاً قاتلاً في برنامج حزبه.

وقد فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات بناء على عرض يجمع القيم الدينية المحافظة والنمو الاقتصادي السريع. وفي ظل رئاسته، عاد سجل تركيا في حرية التعبير إلى الأيام السيئة السالفة. لكن حادثة «سوما» تختلف عن غيرها لأنها حصلت على الأقل في منطقة حيث التأييد لحزب العدالة والتنمية اكثر صلابة بكثير.

ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً لأن الاعتماد المتزايد على الفحم يصب في صميم النجاح الاقتصادي لتركيا. وفي السنوات الخمس الماضية ازداد اعتماد البلاد على محطات الطاقة التي تعمل على الفحم بشكل دراماتيكي.

استراتيجية الطاقة

وقد رافق استراتيجية الطاقة لحزب العدالة والتنمية برنامج طموح للخصخصة، مع افتراضه منجم «سوما» كتحفة لفوائد الملكية الخاصة. والمنجم تم شراؤه من قبل شركة تدعى «سوما هولدينغ»، أحد اكبر منتجي الفحم في تركيا.

ومنذ سنتين، تفاخر مالكها، الب غوركان، أنه تمكن في خفض كلفة الفحم المستخرج من 130-140 دولاراً إلى مجرد 24 دولاراً في الطن، وذلك بفضل «أساليب عمل القطاع الخاص». والناجون من المأساة يشيرون إلى أن «تلك الأساليب» تضمنت التبخيس بمواضيع السلامة.

وعلى ما يبدو، كل هذا وضع في تقرير كان قد حذر من المخاطر في منجم «سوما» منذ أربع سنوات. والتقرير الذي نشرته «غرفة المعماريين والمهندسين» شكل ما يشبه إنذاراً للمأساة الأخيرة.

وحذّر التقرير من المستويات العالية من الميثان، وسلّط الضوء على غياب نظام إنذار ونقص سبل للهروب، وانتقد التهوية وأشار إلى أنه «لا يمكن إخلاء العاملين.. على عجل وبأمان».

وهذا يصف مظهراً عاماً مختلفاً كثيراً عن محاولة أردوغان التقليل من أهمية مأساة «سوما». وحزب العدالة والتنمية أدار البلاد منذ عام 2002 واندفاعته لإنتاج المزيد من الفحم رافقها حوادث قاتلة في التعدين. وحتى قبل الكارثة الأخيرة، قضي 1308 عمال منجم حتفهم منذ عام 2000.

خسارة أصوات

 

يظن حزب العدالة والتنمية أنه يمكنه الإفلات من حادثة «سوما» عبر هجوم فاضح على الطلبة والصحافيين والمثقفين والناشطين من أجل البيئة. ولا يبدو أردوغان انه يهتم بتأثير أسلوبه المتنمر على علاقات تركيا بالاتحاد الأوروبي، لكن في بلاد منقسمة على التعليم والدين والثروة، فإنه بحاجة ماسة إلى أصوات الطبقة العاملة.