أعرب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أخيراً، عن أسفه على قوله إن «إسرائيل أمام خطر التحول إلى دولة فصل عنصري»، وإن تلك العبارة كان «من الأفضل أن تظل خارج النقاش»، فهل يصح فعلاً أن تترك هذه العبارة خارج النقاش؟ وصيحات الغضب من اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن كانت أفضل مؤشر إلى أن كيري ومبعوث السلام الأميركي إلى الشرق الأوسط مارتن أنديك يتمتعان بفهم صحيح للأوضاع.
وتعليق كيري أدخل بعض الحدة غير المعتادة، والصدق الذي تشتد الحاجة إليه في المناقشات العامة في أميركا، حول ما يجري حقاً في إسرائيل، واعتذاره المصوغ بعناية أفاد أنه يقبل بأن إسرائيل لا تنوي أن تصبح دولة فصل عنصري، لكن هذا ليس الشيء نفسه كالقول إنها لن تصبح واحدة.
ومن الواضح تماماً أن المستوطنات الآخذة في التوسع هي التي تصنع، في الواقع، جغرافيا الفصل العنصري في الضفة الغربية. وإذا كان كيري على خطأ، فإن هذا يعود إلى إدلائه برأيه كتنبؤ، وليس كواقع قائم.
خارج التداول
والنيات الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية كانت دوماً قضية يحظر فضحها بشكل واسع في واشنطن.
واللوبي المؤيد لإسرائيل مع بعض المساعدة من الكونغرس أدى دوراً مهماً في وضع حد لأي انتقاد، وهو يعمل دون كلل لتصوير الحكومات الإسرائيلية بأنها «معتدلة وملتزمة بالعمق بالسلام العادل»، وأنه «حبذا لو أن الفلسطينيين كانوا كذلك أيضاً»، وكل من يوحي بغير ذلك يتهم بـ«كراهية إسرائيل» (أو بما هو أسوأ من ذلك كالعداء للسامية).
وكيري وأنديك بتصريحاتهما الصريحة سحبا جزءاً من البساط من تحت أقدام هذا الشعار الإسرائيلي الممل، بأن المستوطنات ليست عقبة في طريق السلام، أو أن أي شخص يجرؤ على لفظ عبارة «الفصل العنصري» هو معادٍ للسامية. واستخدام كيري كلمة «الفصل العنصري» كان لاسعاً، لأنها تحدت إصرار إسرائيل على أن الاحتلال ناجم من الأمن فقط، وليس من وجود نية للتمييز والسيطرة.
ومع كل المجاهرة بالرعب من تصريح كيري، فإن الأعضاء المؤثرين في حزب نتنياهو وحلفاءهم كانوا سعداء بما فيه الكفاية لرؤية انهيار مباحثات السلام، ولوجود ذريعة للازدراء بكيري. وهم يرون في ذلك فرصة لتقليص الدور الأميركي، وللتخلي عن التملق الكلامي بحل الدولتين، وفي النهاية الانتقال إلى النتيجة التي أفاد كيري باحتمال الوصول إليها.
وقد وصف رئيس اللجنة المركزية في حزب نتنياهو «الليكود»، ونائب وزير الدفاع، داني دانون، تعليق كيري بأنه «غير مقبول». ودانون يعارض بالعلن تأييد نتنياهو لحل الدولتين، وهو، على ما يبدو، موقف أغلبية أعضاء حزب الليكود الذين نصّبوه رئيساً عليهم، تحقيقاً لوعوده بوقف نتنياهو عن الموافقة على قيام الدولة الفلسطينية.
وفي مقابلة في أواخر السنة الماضية، قال دانون إنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، وأن نتنياهو لا ينبغي له أن يقلق لما يعتقد به الأميركيون، وتحدث دانون عن «إدارة الصراع» على المدى القصير من خلال الحفاظ على الاحتلال، مع العمل على «تحسين سبل العيش للفلسطينيين».
قواعد اللعبة
أما هدفه بعد ذلك، فيمكن استخلاصه مباشرة من قواعد اللعبة التي مورست في جنوب أفريقيا. ودانون قال بصراحة إنه يريد الاستيلاء على الجزء الأكبر من أراضي الضفة الغربية، المعروفة في إسرائيل باسم يهودا والسامرة، بالتزامن مع تخليص الدولة اليهودية من مسؤولية حكم الفلسطينيين.
وكان ذلك أساساً مخطط جنوب أفريقيا فترة الستينيات، لما يفترض مناطق الحكم الذاتي للسود «بندوستان»، والهادفة إلى تخليص البيض في جنوب أفريقيا من ملايين السود، وفي الوقت نفسه الاستيلاء على أفضل أراضيهم.
وسياسة دانون ليست مماثلة فقط، وإنما أيضاً تبدو نفسها في نتائجها النهائية إلى حد كبير: خليط من بلدات ومدن عربية متناثرة في الضفة الغربية تحيط بها إسرائيل.
وأعضاء آخرون في ائتلاف نتنياهو، مثل وزير الاقتصاد نفتالي بنيتيت، مصممون بالقدر نفسه على ألا تكون هناك دولة فلسطينية، وبالمقارنة، فإن الأصوات التي تتصدى لهم تبدو محاصرة على نحو متزايد.
ورؤية هؤلاء لمستقبل إسرائيل والأراضي المحتلة التي تحمل العديد من السمات المميزة لنظام الفصل العنصري، تزداد قوة، وأصبح لديهم الآن هذا النوع من الطاقة السياسية الذي كان في ما مضى يدفع باليسار وجماعات السلام في إسرائيل.
وفي أميركا، قادت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» الهجوم على وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ومع تدافع الجمهوريين ضده، انحنى هذا الأخير أمام الواقع السياسي وتراجع خطوة إلى الوراء، لكنه رأى المستقبل بوضوح أكثر بكثير من منتقديه.
رفض الحلول
يعمل أعضاء ضمن أوساط اليمين الإسرائيلي على جلب الأميركيين إلى طريقة تفكيرهم.
ويقول الزعيم السابق للمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة، ومبعوث الشؤون الخارجية حالياً، داني دايان، في واشنطن إن كيري «يدمر المصالح الأميركية» ويجعل الولايات المتحدة تبدو ضعيفة، وهذا الرأي يتشارك فيه بعض أعضاء الحزب الجمهوري في أميركا.
لكنه يعترف بأن الخطوة التالية يصعب الترويح لها في واشنطن، ذلك أنه يريد من الولايات المتحدة التخلي عما وصفه بـ«وهم حل الدولتين».
وقال إن ما يريده الفلسطينيون أكثر من إنشاء دولة هو التمتع بأسلوب حياة أفضل. من ثم، ينبغي أن تبقي إسرائيل الاحتلال بضعة عقود أو أكثر، لكن أن تفعل ذلك بشكل أفضل، وفي غضون ذلك، تمضي إسرائيل في توسيع المستوطنات.
