عادت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، التي كان يعمل عليها لمدة عقدين من الزمن تقريباً، إلى المربع الأول.
وهناك أسباب عديدة لفشل هذه المفاوضات، لكن أحد الأسباب الرئيسية هو أن إسرائيل غيرت أهدافها بما يلائمها في المفاوضات الماضية بين الجانبين، كان المطلب الأكثر أهمية لإسرائيل اعتراف الفلسطينيين بحق إسرائيل في الوجود.
لكن الحكومة المتشددة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطالب الآن بوجوب اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية.
والمطلبان غير متطابقين، وكل من السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية رفضت هذا المطلب الأخير.
والمطالبة بالاعتراف «بدولة إسرائيل اليهودية» يبدو أنها جزء من استراتيجية طويلة الأمد لنتنياهو.
ويرفض حلفاؤه من القوميين المتطرفين والأصوليين المتزمتين الدولة الفلسطينية، ويعتقدون أنه مع الوقت، وبعد بضعة أجيال، فإن مسألة تشكيل دولة فلسطينية على 22% فقط من فلسطين التاريخية ستنتهي «لأسباب طبيعية».
خيارات ثلاثة
وإذا أصبحت وجهة النظر تلك السياسة الرسمية لإسرائيل، فإنه لن يكون هناك مجال لحل الدولتين، وفي النهاية، سيصبح الوضع شبيها بجنوب إفريقيا، حيث الاعتراف بحقوق الأغلبية من السود من قبل الأقلية من البيض أنهى نظام الفصل العنصري.
بالتالي، ليس أمام القوميين المتطرفين والأصوليين المتزمتين إلا ثلاثة خيارات: القبول بحل الدولتين، القبول بدولة ديمقراطية واحدة يكون مواطنوها جميعهم متساوين في الحقوق، أو تشكيل دولة يهودية على كامل فلسطين التاريخية تكون عبارة عن نظام فصل عنصري.
وهناك الكثير من البينة المقنعة التي تفيد بأن الإسرائيليين المتطرفين يفضلون الخيار الثالث.
فلماذا تكتسب وجهة النظر تلك قوة؟ سبب هام هو أن تكوين السكان اليهود في إسرائيل قد تغير مع مرور الوقت بشكل كبير نتيجة لهجرة 1.5 مليون يهودي إلى إسرائيل من الاتحاد السوفييتي سابقاً، والعديد منهم، إن لم يكن معظمهم، من المتزمتين أو القوميين المتطرفين.
وأحدهم ناتان شارنسكي، منشق سوفييتي سابق ووزير في عدة حكومات إسرائيلية، كان قد قال للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون كما يروي هذا الأخير في كتابه «حياتي» إنهم «يأتون من أكبر دولة في العالم إلى واحدة من أصغرها، ولا يؤمنون بجعل إسرائيل أصغر حجماً بالتخلي عن الجولان أو الضفة الغربية».
ثم هناك العضو ضمن الجناح اليميني لحكومة نتنياهو، نفتالي بينيت الذي يترأس حزب «البيت اليهودي» وهو يعارض الدولة الفلسطينية.
وبعض من أحزاب إسرائيل السياسية، مثل «إسرائيل بيتنا» يدعو إلى ترحيل «ترانسفير» الفلسطينيين إلى الأردن.
والآن مع فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات مع الفلسطينيين، فإن بينيت يحض نتنياهو على ضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية رسمياً.
وهناك إسرائيلي متطرف آخر مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق، هو وزير الخارجية أفيدور ليبرمان، وبناء على وجهة نظره، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على مشروع قانون في أكتوبر 2010 بموجبه يتعين على العرب الذين يعيشون في إسرائيل أن يقسموا يمين الولاء «لدولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية».
بيد أن المتطرفين الإسرائيليين لا يمكنهم الاستفادة في كلتا الحالتي: رفض حل الدولتين، والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. ومنح أي دولة أو منظمة دولية هذا الاعتراف سيكون المعادل لمباركة نظام الفصل العنصري نفسه الذي رفضه العالم في جنوب إفريقيا.
فصل عنصري
يعتبر القوميون المتطرفون والأصوليون المتزمتون في إسرائيل الضفة الغربية وحتى غزة جزءاً من «أرض الميعاد» التي يجب أن تسيطر عليها إسرائيل.
وإذا أصبحت وجهة النظر تلك السياسة الرسمية لإسرائيل، فإنه لن يكون هناك مجال لحل الدولتين، وبهذه الحالة فإن ملايين الفلسطينيين سينتهي بهم المطاف في العيش في دولة فصل عنصري رسمية.
وفي النهاية، فإن الوضع سيصبح حينها شبيهاً بجنوب إفريقيا.
