وقف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، أخيراً وراء أحد صناديق الاقتراع في قاعة فندق في بغداد، وأدلى بصوته رافعاً أصبعه المغمس بالحبر الأرجواني، حاضاً العراقيين على التوجه إلى صناديق الاقتراع.

حصل هذا في «المنطقة الخضراء» المحصنة الآمنة نسبياً، منطقة الحكومة العراقية التي يخشى أن تكون الهدف النهائي لمقاتلي المعارضة الذين ينتشرون الآن باتجاه غرب العاصمة وشمالها.

وفي أماكن أخرى من العراق، جرت الانتخابات وسط القنابل والعداء الطائفي المرير بين السياسيين السنة والشيعة.

وبافتراض تمكن معظم العراقيين من التصويت، ليست هناك أي إشارة إلى أي انسداد في هذه الفجوة، والمالكي يبدو عازماً على إبقاء القبضة الشيعية الحصرية تقريباً على العراق.

ويقول أحد المرشحين للبرلمان عن أبو غريب: «نحن محاصرون بين الإرهابيين وسياسات الحكومة العراقية السيئة».

ومع أكثر من 100 حزب وما يزيد على 9 آلاف مرشح تنافسوا على 328 مقعداً في البرلمان، فإن تحالف المالكي «دولة القانون» يؤكد فوزه في معظم صناديق الاقتراع التي يبلغ إجمالي الناخبين المسجلين فيها 21 مليون ناخب، لكن ليس بالأغلبية المطلقة من المقاعد، بما يتيح له أن يحكم من تلقاء نفسه.

مساومة محمومة

وستترتب على ذلك مساومة محمومة. في السابق، وفي ظل استحثاث أميركي، استغرق الأمر شهوراً لتشكيل حكومة أغلبية. لكن هذه هي الانتخابات العامة العراقية الأولى منذ مغادرة القوات الأميركية العراق في نهاية عام 2011.

وعلى الرغم من تزويد أميركا الحكومة العراقية بأسلحة إضافية أخيراً لتعزيز القوات العراقية ضد تنظيم القاعدة، إلا أن لها تأثيراً أقل على مجريات الأوضاع حالياً من تأثير بعض الدول الإقليمية.

وعلى الرغم من تبوؤ حزبه المرتبة الثانية في عام 2010، تمكن المالكي من الإمساك بالسلطة بشكل غير عادي منذ عام 2006، عندما تم تنصيبه كمرشح وسط بعد أن فقد الأميركيون، الذين كانت لهم السيطرة حينها الثقة بسلفه إبراهيم الجعفري.

وفي ولايتين كرئيس للوزراء، تمكن بهدوء من السيطرة على قوات الأمن والاستخبارات في البلاد، بولاء شخصي له. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، لم يكن للعراق وزير داخلية، ولهذا أشرف المالكي بنفسه على الشرطة، ووزير دفاع بالوكالة لم يؤكد رسمياً في منصبه.

وبينما لا يعتبر فاسداً شخصياً، كما العديد من زملائه، إلا أن المالكي سعى أيضاً للسيطرة على المؤسسات المالية للدولة، واستخدم المحاكم لضرب خصومه.

الاحتفاظ بالسلطة

لكن لم يبق لديه إلا القليل من الحلفاء الذين يمكن الاعتماد عليهم، حتى ضمن كتلته الشيعية، لذا فإن احتفاظه بالسلطة ليس مؤكداً.

ويشعر أحد منافسيه الرئيسيين الشيعي العلماني أياد علاوي، وهو من الشخصيات العراقية البارزة التي تمكنت من عبور الهوة الطائفية بحثاً عن حلفاء من الطائفة الأخرى، بمرارة شديدة حيال الطريقة التي منع فيها من أن يصبح رئيساً للوزراء بعد فوز جماعته بمعظم المقاعد في الجولة الماضية.

وهناك أمر جديد مثير للقلق يتمثل في نمو ميليشيات شيعية تعمل خارج قيادة الجيش الرسمية، عازمة على محاربة المقاتلين السنة، بمعزل عن مقتل مدنيين جراء ذلك.

وفي المقابل، ينعم الجنوب الشيعي، حيث حقول النفط الأكثر إنتاجية في العراق بالهدوء بشكل كبير. أما الجزء الذي ينعم بالسلم والتقدم في البلاد، فهو في الواقع المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي في شمال شرقي البلاد.

والمفاجأة الانتخابية الأكبر هناك كان مشهد جلال طالباني على شاشة شريط فيديو يصوت من كرسي نقال في ألمانيا، حيث يعالج من سكتة دماغية منذ أواخر عام 2012.

وغيابه ترك حزبه الكردي أحد الأحزاب الثلاثة في المنطقة في حالة من الفوضى. والسياسات الكردية تمر بعملية تصحيح فوضوي مع فشل الأحزاب الكبرى في البلاد في تشكيل حكومة جديدة منذ انتخابات مجالس المحافظات قبل عام. وبمعزل عن ذلك، فإن المنطقة الكردية في نعيم بالمقارنة بالرديف العربي من العراق، حيث يبدو من غير المرجح أن تحدث الانتخابات فيه أي تحسن نحو الأفضل.

عنف

 

منذ يناير الماضي، فقدت قوات الأمن السيطرة على أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار غرب بغداد، للمقاتلين السنة، وبعضهم يعلن ولاءه لتنظيم القاعدة، وهؤلاء يشكون من أن المالكي قام بسجنهم وقتلهم وطردهم من المجالات العامة منذ انتخابه منذ ثماني سنوات.

وفي الفترة التي سبقت الانتخابات العراقية، كانت تتردد أصداء التفجيرات الانتحارية والهجمات على القوات الأمنية ومراكز الاقتراع داخل بغداد ومن حولها. ولقد أصاب العنف أيضاً الأقاليم المختلطة السنية - الشيعية في ديالا وصلاح الدين، ومزيداً نحو الشمال في محافظة نينوى التي تسكنها أغلبية سنية.

والجماعة الرئيسية المقاتلة في المعارضة، وهي الجماعة المتطرفة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، سيطرت تقريباً على مساحات شاسعة من الأراضي بين بغداد والحدود مع سوريا، حيث تسعى إلى تأسيس خلافة تشمل المنطقة بأسرها.