خلال تسعة شهور من المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة بين سلطة الاحتلال الإسرائيلي وبيننا، نحن الشعب الواقع تحت الاحتلال، شكك الإسرائيليون باستمرار بقدرتنا على صنع السلام.
ورددوا مراراً وتكراراً أنه من المستحيل التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، لأننا كنا منقسمين على أنفسنا.
وكان زعماء العالم الذين يزورون تل أبيب يواجهون بأسئلة شكلية منمقة يطرحها عليهم المسؤولون الإسرائيليون: «مع من يفترض أن تصنع إسرائيل السلام، غزة أم الضفة الغربية؟»، غير أنه بعد قبول اتفاق المصالحة الوطنية والاعتراف به من قبل جميع الأطراف السياسية الفلسطينية في أواخر أبريل الماضي، ناقضت إسرائيل نفسها، وقالت إنه لا يمكنها التفاوض مع حكومة فلسطينية موحدة، وتحديداً حكومة تضم حركة حماس.
تنازلات تاريخية
وفي أوائل الثمانينيات، كانت لدى إسرائيل ذريعة مختلفة لعدم صنع السلام مع الشعب الفلسطيني، وهي رفض منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بها.
لكن في عام 1988 اعترفنا بإسرائيل، وتنازلنا عن نسبة 78 % من أرض فلسطين التاريخية، وكان هذا تنازلاً تاريخياً صعباً للغاية. والآن بعد مرور 26 عاماً، فإن عدد المستوطنين الإسرائيليين داخل نسبة الـ 22 % المتبقية تضاعف ثلاث مرات.
والذريعة التالية لإسرائيل، كانت غياب الاعتراف بها من قبل الدول العربية.
في عام 2002، قدمت جامعة الدول العربية مبادرة السلام العربية، وعرضت اعترافاً بها من جانب 57 بلداً عربياً وبلدان ذات أغلبية مسلمة، في مقابل احترام إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة، وهو ما كان سيعني عودة نسبة الـ 22 % المتبقية من فلسطين التاريخية إلى الفلسطينيين، وكان الرد الإسرائيلي مزيداً من المستوطنات.
وأخيراً، جاءت الحكومة الإسرائيلية بمواصفة إضافية، مفادها أنه يجب علينا الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وإسرائيل كانت مطمئنة، لعلمها أن هذا لا يمكن أن يكون مقبولاً، لأن هذا من شأنه أن يلغي تاريخنا.
والمصالحة الفلسطينية لم يرفضها إلا أولئك الذين يهدفون إلى إدامة الوضع الراهن لمصلحتهم الخاصة.
وهذا تحديداً ما كانت تقوم به حكومة إسرائيل خلال الشهور التسعة من المفاوضات، عندما قتلت خلالها أكثر من 50 فلسطينياً، ووافقت على بناء أكثر من 13 ألف وحدة سكنية جديدة في المستوطنات الإسرائيلية، وشنت حوالي 4500 عملية عسكرية على الأراضي الفلسطينية، وهدمت 196 منزلاً فلسطينياً، وسمحت بأكثر من 660 هجمة إرهابية من قبل مستوطنين ضد الفلسطينيين.
لا التزامات
وحكومة نتنياهو رفضت حتى وضع خريطة على طاولة المفاوضات، تعرض فيها رؤية إسرائيل لحدودها النهائية. وقد ضمن نتنياهو عدم قدرته على القيام بذلك من خلال إحاطة نفسه بالفصائل الأكثر تطرفاً في إسرائيل، بما في ذلك حركة الاستيطان، التي اختار من بينها وزير خارجيته ووزير الإسكان ورئيس الكنيست.
وبصراحة، يصعب فهم كيف بإمكان أي شخص أن يتوقع منا التفاوض مع مثل تلك الحكومة. ومع ذلك قمنا بذلك، وقدمنا تنازلاً تلو الآخر من أجل السلام.
والحقيقة واضحة: إسرائيل ترفض التفاوض جدياً، وطالما يعمل الوضع الراهن لصالحها، فإنها ليست لها مصلحة في التوصل إلى حل. ومن دون إشارات صارمة من المجتمع الدولي، فإن سياسات الاحتلال والاستيطان لنتنياهو سيجري تحفيزها.
وفي ظل الوضع الدولي الجديد لفلسطين، الذي صادقت عليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإننا سنمضي في تشكيل بلادنا كدولة محبة للسلام، تحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي. وهذا يتضمن حقنا في الاستفادة من المحافل الدولية، في سبيل وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية، وتلبية حقوقنا التي طال انتظارها.
وفي غضون ذلك، يتعين على الائتلاف الحاكم في إسرائيل، التوقف عن هدر طاقته في اختلاق الذرائع، وإدراك أن الفصل العنصري ليس خياراً مستداماً. ورفض إسرائيل للوحدة الوطنية الفلسطينية لا علاقة له بحركة حماس إلا لماماً، بل على العكس، يتعلق بدرجة كبيرة بغياب الاستعداد لدى إسرائيل للقيام بما هو مطلوب للتوصل إلى السلام.
قبول المصالحة
بدلاً من رفض المصالحة الوطنية الفلسطينية، كان يفترض بإسرائيل الترحيب بها. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف، يوجدون ذريعة أخرى لتفادي القرارات الضرورية للتوصل إلى السلام.
وتحاول الحكومة الإسرائيلية إلقاء اللوم على المصالحة الفلسطينية الوطنية، لعدم اختيارها طريق السلام على الفصل العنصري.
لكن المصالحة والمفاوضات لا تنفيان بعضهما. وفي الواقع، يستحيل التوصل إلى سلام من دون توافق بين الفصائل الفلسطينية. فاتفاق المصالحة يصدق على شرعية منظمة التحرير الفلسطينية في التفاوض مع إسرائيل، ويفي بكل الالتزامات والتعهدات الفلسطينية تجاه القانون الدولي والاتفاقات السابقة، ويدعو إلى تشكيل حكومة إجماع وطني. س برنامج أي فصيل من الفصائل.
