يبدو خبر اختطاف أكثر من 200 فتاة من إحدى المدارس شمالي نيجيريا على يد جماعة «بوكو حرام» المتشددة أمراً صعب التصديق، فضلاً عن نشر الجماعة فيديو تهدد فيه ببيعهن في سوق النخاسة. وما يزيد الأمر غرابة هو ما أعقب هذا الفيديو، حيث أعلنت وكالات الأخبار اختطاف ثماني بنات أخريات على يد الجماعة ذاتها شمال شرقي نيجيريا.
وتُهيج هذه الفعلة قلوب كل البشر، وتستحضر الشعور بالخوف والاشمئزاز لا من خطورة فقد الأمان والحريات فقط، بل من احتمال أن يكون مستقبل هاته الفتيات هو الإجبار على الزواج والعبودية لا التعليم.
وهناك غضب حقيقي تجاه تقصير الحكومة النيجيرية في البحث عن الفتيات إلى جانب اتهام وسجن بعض الذين خرجوا في تظاهرات واسعة ضد الرئيس النيجري غودلاك جوناثان بإثارة الشغب.
خطوة عملية
ولكن يتوجب علينا الحذر من الحكايات التي ستُروى في الوقت الراهن عن قضية الاختطاف.
وعلى الرغم من أنه بات مؤكداً فعل شيء ما لتحرير الفتيات، وأن الغرب هو من يتوجب عليه فعل ذلك، فإن أوضح ما قيل في هذه المسألة جاء على لسان السيناتور إيمي كلوبتشر عندما أشارت إلى أن «هذه الحادثة هي واحدة من تلك الحوادث، التي ستؤثر فيها ردة فعلنا من عدمها أيما تأثير، وذلك ليس في أوساط الفتيات المختطفات وعائلاتهن المنكوبة، بل في أوساط الضحايا والمتاجرين بالبشر على امتداد العالم، وقد حان وقت اتخاذ فعل ما».
وجاء هذا النداء للغرب حاثاً إياه على التدخل للبحث عن الفتيات وللمساعدة على إحلال الاستقرار في نيجيريا عقب حادثة الاختطاف هذه، وفي هذا الصدد عرضت الحكومة البريطانية تقديم «مساعدة عملية».
يأتي ذلك على الرغم من أن التدخل الغربي فشل مرات ومرات في التعامل مع مشكلات بعينها، بل وأدى أحياناً إلى مفاقمة الأوضاع والتسبب بزيادة أعداد القتلى والمشردين، واقتراف الفظائع، وغالباً ما تم تبرير التدخل بذريعة حماية حقوق المرأة، مدعين أن القوات العسكرية الغربية المستنيرة ستخلق جواً تعيش فيه المرأة بأمان من العنف والاستغلال، ولكن الدلائل تشير إلى حدوث عكس ذلك.
ولطالما كانت حقوق المرأة مبرراً رئيساً لشن الحرب على أفغانستان عام 2001، وذلك عندما دعمت كل من شيري بلير ولورا بوش أزواجهن لخوض الحرب كوسيلة لتحرير المرأة الأفغانية، أما اليوم فمع وجود ملايين النازحين وعشرات الآلاف القتلى فإن أفغانستان تعد واحدة من أسوأ الدول التي ممكن أن تعيش فيها المرأة، وذلك بسبب الإكراه على الزواج، أو زواج القاصرات والاغتصاب، وفظائع أخرى غيرها.
الرواية الحقيقية
وبات التدخل الأجنبي جزءاً لا يتجزأ من القضايا في أفريقيا، ولكن هناك حرب أخرى تجري في إفريقيا ألا وهي الحرب الاقتصادية، فالقارة غنية جداً بالموارد الرئيسة، ولكن سكانها يعيشون في أوضاع مأساوية. وفي عهد رئيس نيجيريا جوناثان لم يلامس النمو الاقتصادي احتياجات الفقراء، فضلاً عن أن التعليم والرعاية الصحية بعيدة عن متناول كثيرين.
وهناك انتشار للفساد، وذلك على الرغم مما يُدفع للجيش من أموال وعتاد لحماية الأثرياء والشركات الأجنبية، مثل شركة «سيشل» التي تريد الاستفادة من موارد البلاد وبخاصة النفط. ولا تنفصل ذرائع محاربة الفساد ولا التفاوت في المعيشة عن دور الغرب بالطبع.
دور مهم
تلعب الشركات الأجنبية في نيجيريا دوراً مهماً في النظام المُهيأ لخوض الحرب من أجل الحصول على الموارد مثل النفط والغاز، ولكنها في الوقت ذاته لا تبذل أي جهد للقضاء على الفقر وتوفير التعليم للسكان.
وتعد هذه هي خلفية البلاد التي نتحدث عنها في محنة اختطاف فتيات نيجيريا. ولن تتحسن من خلال ضخ المزيد من الأسلحة الغربية، ونشر الجيوش على الأرض، أو شحذ القوات العسكرية الجوية في السماء.
