يريد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة. وهو يطرح من أجل ذلك استراتيجية لا يترتب عليها أي مخاطرة على منصبه، ومصممة لإبقاء القاعدة السياسية من الجناح اليميني في موقف داعم له، بالتزامن مع إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنه وحده بإمكانه قيادة إسرائيل في أوقات الاضطرابات في المنطقة.

وأخيرا، تمكن نتنياهو من التغلب على تحد رئيس واجه مطامعه بهذا الثبات السياسي، حيث ولى الموعد النهائي للمحادثات الإسرائيلية الفلسطينية التي ترعاها الولايات المتحدة، بينما بقي الائتلاف الحاكم بقيادته دون مساس.

ونتنياهو لم يكن مهتما بتحقيق تقدم في مباحثات السلام، وحتى عندما أشارت استطلاعات الرأي في إسرائيل إلى أن اختراقاً في عملية السلام سيؤدي إلى زيادة كبيرة في شعبيته، هز كتفيه لا مباليا، وأبقى نظره باتجاه اليمين للتأكد من أن قاعدته كانت لاتزال في مكانها.

فالندبة التي خلفتها ولايته الأولى، عندما اجتمع اليسار وأقصى اليمين لإسقاطه بعد توقيع اتفاق «واي ريفر» مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لم تلتئم بعد. ومحاولات أخيرة لتحقيق السلام وقفت دونها تحديات هائلة.

فمنذ انهيار المباحثات في كامب ديفيد في عام 2000، كان الرأي العام الإسرائيلي من التيار السائد متقبلا لرواية «عدم وجود شريك». وهذا الاعتقاد أبقى سياسات نتنياهو دون أي منازع في إسرائيل.

أمران مختلفان

وأمران هذه المرة كانا مختلفين. أولاً، كانت هناك الطاقة والدوافع غير المتوقعة من وزير الخارجية الأميركي جون كيري. ثانيا، كان التهديد بمقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها قد انتقل من هامش اليسار في الغرب إلى المحادثات ضمن التيار العام السائد، بعد حظر الاتحاد الأوروبي تمويل المستوطنات الإسرائيلية.

وهذه الأوضاع شكلت ما يشبه عصا يمكن من خلالها الضغط على نتنياهو للتحلي بالمرونة، إلا أنها لم تكن كافية للتوصل إلى اتفاق.

وكعادته، ابتسم نتنياهو للمبادرة الأميركية بانتظار رؤية ما إذا كان كيري يحمل في يده عصا كبيرة، أم أنه في رحلة صيد لحسابه الخاص. وعندما أعلن كيري استئناف المباحثات في يوليو 2013، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إن حل الدولتين مهم لمنع نشوء «دولة ثنائية القومية».

لكن نتنياهو سرعان ما أدرك أن كيري يفتقر إلى الدعم من الرئاسة الأميركية، فاستهلت إسرائيل عملية توسيع للمستوطنات وأطلقت حملة تشويه ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ومطالبة نتنياهو باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل «كدولة يهودية» بدت عرقلة لأي تقدم.

ونقطة الانهيار جاءت مع قضية الأسرى الفلسطينيين خلال فترة ما قبل أوسلو، وهذا هو الثمن الذي طلبه عباس للمضي بالمباحثات.

وقد هدد الحزب اليميني المتطرف في ائتلاف نتنياهو بالانسحاب إذا ما اطلق سراح الأسرى. ومن الناحية النظرية، كان بإمكان نتنياهو أن يشكل تحالفاً مختلفاً مؤيداً للسلام، لكنه لم يكن يريد تكرار تجربة «واي ريفر».

ولهذا وقف إلى جانب اليمين المتطرف وتخلف عن إطلاق سراح الأسرى، فرد عباس بالتوقيع على اتفاق مصالحة مع حماس، فألغى نتنياهو المحادثات ورص الصفوف داخل ائتلافه، حيث فضل حتى «المعتدلون» داخل ائتلافه إلقاء اللوم على عباس والاحتفاظ بمقاعدهم الوزارية.

ثم أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما فترة استراحة من ستة أشهر. وخرج نتنياهو من الورطة مرة أخرى.

دولة عنصرية

ثم جاء الفصل الأخير غير المتوقع.

وفي أعقاب فشل وزير الخارجية الأميركية جون كيري، تم تسجيل صوته وهو يحذر من أنه من دون حل الدولتين، فإن إسرائيل تخاطر في أن تصبح «دولة فصل عنصري»، وقد أصدر كيري تعبيرا مخففا عن الأسف بعد يوم من الضجة التي أشعلها اللوبي المؤيد لإسرائيل، لكن هذا لم يتمكن من محو أثر تلك الكلمة، التي دخلت حيز المكان، وهي هناك الآن لتبقى.

تجنب نتنياهو الأوضاع السياسية غير المواتية له المترتبة على صنع السلام، وأبقى ائتلافه مرصوصا.

لكن في نهاية المطاف، لن يتمكن من الفرار من السؤال الاستراتيجي الأعمق: كيفية التخلص من عقدة اتهام إسرائيل بالعنصرية المترتبة على الدولة ثنائية القومية.

تقليص التوقعات

 

جاء الموعد النهائي وولى من دون التوصل إلى «إطار» اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين، ناهيك عن صفقة حول «الوضع النهائي» التي أمل وزير الخارجية الأميركية جون كيري في التوصل إليها في الأصل.

لكن تحت ضغوط من كيري والدبلوماسي الأميركي المخضرم مارتين انديك، دخل الممثلون من إسرائيل والسلطة الفلسطينية في مناقشات مطولة ومفصلة، والمباحثات حسبما أفيد لمست «قضايا جوهرية» مثل حدود الدولة الفلسطينية وإمكانية تمركز قوات إسرائيلية في الضفة الغربية حتى بعد الاتفاق النهائي.

لكن إيجاد أرضية مشتركة على تلك القضايا وقضايا أخرى، بما في ذلك وضع القدس وغيرها، برهن مجددا على أنه غير قابل للتحقيق. وبعد تقليص أهدافه من اتفاق نهائي إلى هيكلية، فإن كيري كان عليه تقليص توقعاته مجددا. وفي النهاية، خرجت المفاوضات عن مسارها بسبب سلسلة من الاستفزازات والتصرفات الأحادية الجانب من جانب إسرائيل.