أدى ضم منطقة القرم لروسيا إلى توجيه العديد من الاتهامات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومنها أنه مفكر "تطوري" يعتزم بناء امبراطورية سوفيتية جديدة. وتبني الحكومات الغربية وخاصة الحكومة الأميركية ردة فعلها حاليا على هذه النظرية من خلال محاولتها "احتواء الفكر التطوري" لبوتين عبر فرض عقوبات وإطلاق تحذيرات واستعراض للقوى العسكرية على الحدود الروسية.
ويبقى بوتين على الرغم من هذه الاتهامات، مُفكرا مدافعا يهدف إلى حماية مصالح روسيا الدولية عبر الوسائل المتاحة. وبحسب منطق بوتين فإن الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة انتهكت حدود السلطة القائمة في يوغوسلافيا وأوراسيا عبر التدخل فيهما وفي مناطق أخرى أيضا.
وقسمت الولايات المتحدة هذه الدول، التي كانت تقاوم طموحات الغرب، وقتئذ عبر الاعتراف باستقلال تلك المتوافقة مع الغرب. وفي ذاك الوقت اقترح الغرب على روسيا مرارا وتكرارا الاهتمام بشؤونها الخاصة، وتقبل وضعها كدولة يتضاءل تأثيرها ك"قوة إقليمية".
الوقوف على الحياد
والأنكى من ذلك، أن الغرب أزال خلال تكتيكات "الثورات الملونة" السلطة عن الحكام المقربين من روسيا واستبدلهم بالقوميين والمصابين بداء"الرهاب من روسيا". وفي كل مرة اعترضت فيها روسيا على الوضع كان يقال لها أن تنسى جيوسياسة القرن التاسع عشر وأن تفكر بعقلية سلطات القرن الحادي والعشرين.
وكان بوتين ينظر إلى دعوة الغرب لروسيا للوقوف على الحياد في الأحداث التاريخية المتبلورة وقتها على أنه نهج أصولي ومهين. وعلى الرغم من ذلك، حاول شرح موقف روسيا السياسي ومصالحها، إلا أن كلماته لم تلق آذانا صاغية.
ولم تمنع محاولات بناء علاقات بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي السابق ديميتري ميدفيدف الولايات المتحدة من نشر أنظمة الدفاع الصاروخية في أوروبا ومواصلة توسعها في أوراسيا. أما عن ثورة فبراير في أوكرانيا المعارضة للاتفاقية المُوقعة بين الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة، فقد كانت تعني نهاية كل الآمال لتطبيع العلاقات مع إدارة أوباما.
ويجب أن يعتمد بوتين تحت شروط التعديلات التي يسعى لها الغرب إلى أدوات غير تقليدية وغير متكافئة كي يستطيع الصمود والحفاظ على توازن القوى في أوكرانيا. وإحدى الوسائل التي استخدمتها روسيا كانت ضم القرم.
وبذلك أمن بوتين مستقبل أسطول البحر الأسود، وعزز موقف روسيا الجيوسياسي. وبالتالي فلن تحتاج الأخيرة بدورها إلى التفاوض مرة أخرى حول عقود ايجار معينة مع أي حكومة أوكرانية محتملة قد لا تكون صديقة لها.
استراتيجيات موسكو
أما عن الأداة الأخرى التي تستخدمها موسكو حاليا فهي الردع العسكري الموجه في كييف. ويسعى بوتين عبر حشد الجيوش على الحدود الأوكرانية إلى تحقيق هدفين. الأول، هو منع كييف من استخدام القوة ضد المتظاهرين جنوب شرقي أوكرانيا.
وهذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها. وعلى سبيل المثال، أعلنت كييف للتو أنها كانت بصدد تغيير شروط "عملية مكافحة الارهاب" وأنها تريد محاصرة مدينة "سلافيانسك" شرقي أوكرانيا بدلا من اقتحام المنطقة.
وإذا حاولت أوكرانيا أخذ المدينة بالقوة فعلى الأغلب يجب أن تستعد لمستوى القصف الذي شنته جورجيا على عاصمة أوسيتيا الجنوبية تسخينفالي في أغسطس من عام 2008، والذي أسفر عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. وعلى روسيا حينئذ أن تعبر الحدود الأوكرانية لحماية سكان مدينة "سلافيانسك" من ذوي الأصول الروسية، فضلا عن ساكني المدن الأخرى من هؤلاء في منطقة دونباس.
وثانيا، يريد بوتين ابقاء الجيوش على الحدود الأوكرانية للاحتفاظ بنفوذ سياسي لتحصيل شروط تفاوضية أفضل لدى التعامل مع كييف، وإلا فإن القوميين الأوكران، الذين يكرر نائب الرئيس الأميركي ومدير وكالة المخابرات المركزية لبلاده زيارتهم، قد يعتقدون أن أميركا يمكنها فرض بعض المطالب على روسيا وتخطيط اتفاق جنيف كما يحلو لها.
ولا يريد الكرملين أن يغزو أوكرانيا عسكريا، ولكن قد تكون المفاوضات المستقبلية بين كييف والمقاطعات الشرقية أكثر فعالية في حال برهنت روسيا على قدراتها الردعية.
تنافس جيوسياسي
يتعين على روسيا في تنافسها الجيوسياسي مع دول غربية قوية، أن تعتمد على وسائل متنوعة وخصوصا إذا توفرت لموسكو أي فرصة للحفاظ على تأثيرها في أوراسيا. وفي هذا السياق قال حاكم القوقاز ألكسندر بريتنسكي إن بريطانيا: "تستعرض قوتها بالذهب. وروسيا التي تفتقر للذهب يجب أن تنافس بقوة يديها".
وعلى الرغم من كل أوجه الضعف، لا زالت روسيا تحتفظ بالكثير من الميزات في منطقة أوراسيا. ومن غير المجدي محاولة تغيير طريقة تفكير الكرملين عبر العقوبات، والقاء المحاضرات وتبني المواقف العلنية.
أما أوكرانيا فهي مكسب بوتين الأخير، وهو سيلعب لعبة شد الحبل بقوة حتى النهاية. وللحيلولة دون إراقة الدماء فيها يجب على الغرب منع كييف من استخدام القوة ضد المسلحين في شرق البلاد وجنوبها، وتشجيعها على مفاوضة الميلشيا المسلحة بشكل جاد.
