تعد دول البلطيق الثلاث التي ضمها الاتحاد السوفييتي في عام 1940 مكاناً مناسباً لرؤية كيف تساهم الأزمة الأوكرانية في تحويل ما كان معروفا لعقدين من الزمن بـ "نظام ما بعد الحرب الباردة" في أوروبا.

فجأة، توقفت تلك الدول عن أن تكون دولاً راكدة صغيرة، وتحولت إلى "دول مواجهة" في قارة تهيمن عليها مجددا المواجهة بين موسكو والغرب الديمقراطي.

ومن المتوقع وصول فرقة أميركية من جنود اللواء 173 المحمول جوا إلى تالين، في إطار نشر 600 جندي أميركي في بولندا ودول البلطيق.

وفي بروكسل، يناقش حلف "ناتو" إمكانية قيامه بنشر جنود وطائرات في المنطقة بشكل دائم، وبالتالي إلغاء التعهد المقدم إلى روسيا في عام 1997 بعدم تمركز قوات له في دول أوروبا الوسطى والشرقية التي انضمت إلى الحلف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

والتهديد الذي كان قد جرى نفيه باعتباره تهديدا وهميا يبدو الآن حقيقيا جدا هنا. ومثل أوكرانيا، يوجد في استونيا ولاتفيا سكان ناطقون باللغة الروسية، متمركزون في مناطق قريبة من الحدود الروسية. والبلدان كانا متهمين من قبل موسكو بإساءة معاملة هذه الأقليات.

نهاية ناتو

وأخيرا قال رئيس الوزراء الأستوني تافي رويفاس: "الحلف لا يمكنه تحمل سيناريو شبه جزيرة القرم أو شرق أوكرانيا في أي من بلدات أو حدود أي دولة من الدول الأعضاء، فهذا سيمثل نهاية لحلف "ناتو"، ومن المحتمل أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتأمل في الفكرة نفسها.

يقول الاستونيون إنهم تعلموا بعض الدروس من أوكرانيا ومن تاريخهم، والدرس الأول هو عدم التردد في الرد.

لكن الواقع ليس بهذه البساطة. فهناك مشكلة صد الهجمات السيبرانية التي يمكن أن تصاحب الاضطرابات في المناطق المأهولة بالسكان الروس، علاوة على الدعاية الممركزة على قنوات التلفزة الروسية.

وأستونيا حققت لنفسها مكانة في مجال الدفاع السيبراني في حلف "ناتو" منذ عام 2007، لكنها لا تملك، لا هي ولا لاتفيا، قناة تلفزيونية ناطقة بالروسية، على الرغم من أن ربع سكان أستونيا، وثلث سكان لاتفيا ينطقون باللغة الروسية.

ثم هناك تهديد القوات على الحدود. في عامي 2009 و2013، أجرت روسيا تدريبات رئيسية تحاكي غزو بلدان البلطيق، وقد شملت تلك التدريبات أكثر من 20 ألف جندي ما يفوق جيوش البلدان الثلاثة مجتمعة، والتي لا تملك دبابات أو طائرات مقاتلة.

واحتمالات حصول أستونيا على إمكانيات ردع، سواء من تلقاء نفسها أو من خلال انتشار حلف "ناتو"، لا يبدو جيدا بوجه خاص. في بروكسل، كانت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بين الحكومات التي اصطفت ضد نشر دائم لحلف "ناتو" في دول البلطيق، وأحد سفراء أوروبا الشرقية المحبطين أطلق على تلك الدول "ائتلاف العلم الأبيض".

أما إدارة أوباما، فقامت بنشر مظليين في إطار عملية لا علاقة لها بحلف "ناتو"، وقالت إن هؤلاء سيبقون هناك طوال عام 2014. لكن السفير الأميركي إلى حلف "ناتو" دوغلاس لوتي قال إنه "من السابق لأوانه القول" ما إذا كانت هناك حاجة لنشر قوات على المدى الطويل".

 

هدف مستقبلي

من الناحية النظرية، ينبغي أن لا تكون دول البلطيق عرضة لحرب غير تقليدية كالتي شنتها روسيا ضد أوكرانيا، ذلك لأن تلك الدول أعضاء في حلف "ناتو". لكن البعض هنا يشعرون بالقلق من أن تكون عضوية الحلف سبباً أيضا لجعل دول البلطيق هدفا مغريا لموسكو، إذا ما نجحت في تفكيك أوكرانيا.