بات سجن أبو غريب السيئ السمعة خاليا من السجناء، بعد أن أعلنت الحكومة العراقية التي أعادت السيطرة على المنشأة في عام 2006، عن إغلاقه أخيرا، جنبا إلى جنب مع نقل 2400 من السجناء، وذلك بدافع من مخاوف تتعلق بإمكانية احتلاله من قبل المنتفضين السنة.

لكن لا إغلاق السجن ولا مرور الوقت يمكنه أن يمحو وصمة العار التي سببتها تلك المعاملة الوحشية للسجناء على أيدي حراس السجن الأميركيين، وضباط الاستخبارات العسكرية، والمتعاقدين من القطاع الخاص خلال الاحتلال الأميركي.

وقد يقرر الحكم الصادر قريبا عن محكمة الاستئناف الفيدرالية الأميركية في ريتشموند بفرجينيا، ما إذا كان سيتسنى لضحايا أبو غريب أخيرا الحصول على فرصة سرد قصصهم في المحكمة. وتسعى دعوى الاستئناف التي جرت المرافعة بشأنها أمام المحكمة أخيرا، إلى إعادة إقامة دعوى قضائية لجبر أضرار مدنية، وهذه تكون في الغالب تعويضات نقدية، وذلك في القضية التي كان قد رفعها منذ سنوات مركز الحقوق الدستورية ضد مقاول خاص نيابة عن أربعة عراقيين قالوا إنهم تعرضوا للصعق بالصدمات الكهربائية، والعنف الجنسي، والتعري القسري، وغيرها من الاعتداءات الأخرى على أجسادهم وكراماتهم.

تفسير قاصر

وهذه الدعوى كانت قد رفضت من قبل قاضي محكمة محلية بناء على قراءة مقيدة لحكم صادر عن المحكمة العليا يفسر القانون المتعلق بمطالبات الأجانب بالتعويض عن الأضرار. والحكم لم يصل إلى أساس صالح، خارج أي اعتبارات أخرى أو تحيز، للحكم على ما يطالب به المدعون، أو فيما يخص نكران المسؤولية من جانب الشركة. وزيادة في الإهانة، وافق القاضي على طلب مثير للعجب من المقاول يقضي بتحميل المشتكي مسؤولية التكاليف القانونية.

وإذا لم تعمل محكمة الاستئناف الفيدرالية على عكس هذا الحكم، فإنها ستحرم أولئك الضحايا أملهم في المحكمة وستثني آخرين من أصحاب الموارد الضئيلة عن اللجوء إلى القضاء والمسار القانوني. ومن شأن ذلك أيضا أن يشكل سابقة رهيبة، قد تذهب إلى أبعد من المحكمة العليا، في منع المحاكم الأميركية من الاستماع إلى القضايا التي تنطوي على تعذيب، وغيرها من الانتهاكات التي لها صلات قوية بالولايات المتحدة على الرغم من نشوئها في الخارج.

وصادف أخيرا مرور 10 سنوات على اندلاع فضيحة سجن أبو غريب إثر بث قناة «سي بي إس نيوز» صورا تقشعر لها الأبدان، تظهر مجندين أميركيون من الجنسين يبتسمون فيما هم يسيئون معاملة سجناء عراقيين ويعملون على إهانتهم جنسيا. وهذه الذكرى تنطوي على فضيحتين. الفضيحة الأولى تكمن في التعذيب بحد ذاته، الثانية في الفشل الذريع للحكومة في توفير معيار صحيح لتحقيق العدالة للضحايا.

اهتمام محدود

وقد أظهرت وزارة العدل الأميركية خلال ولاية كل من الرئيسيين الأميركيين جورج بوش وباراك أوباما اهتماما محدودا بمقاضاة المسؤولين عن تلك الفضيحة. والرئيس الأميركي جورج بوش أسرع إلى تصوير عرض الرعب هذا في أبو غريب على أنه من أعمال بضع تفاحات فاسدة في الصندوق. لكن كان واضحاً منذ فترة طويلة أن مشكلة سوء المعاملة هناك، أو في أي مكان آخر، كانت شاملة للجهاز كله. وكانت تتدفق من ثقافة التساهل في معاملة المعتقلين بتشجيع من كبار المسؤولين في إدارة بوش، وعلى أساس عدم احترام للحظر القانوني القديم للتعذيب وغيره من سوء المعاملة.

ولم تكن هناك أية ملاحقات جنائية للمتعاقدين من القطاع الخاص، الذين كانوا يفتقرون إلى التدريب ويخضعون لرقابة ضعيفة، ممن وظفتهم الحكومة لإجراء عمليات استجواب في أبو غريب، على الرغم مما توصل إليه الجيش الأميركي في تقريره عام 2004، من أن الموظفين بناء على عقود شجعوا الحراس على إضعاف السجناء من أجل استجوابهم، وذلك بتعريضهم للألم وحرمانهم من النوم.

أما بالنسبة إلى الوسائل القانونية التي يمكن أن تلجأ إليها المحكمة لفرض إرادتها، وفي العادة أثناء ممارسة الولاية القضائية للقانون المدني، فقد توصل أحد المتعاقدين في أبو غريب إلى تسوية بقيمة 5.28 ملايين دولار في قضية منفصلة في ولاية ماريلاند، تخص 71 معتقلا كانوا قد اتهموا موظفي هذا المقاول بالتواطؤ في إساءة معاملتهم.

وعند تقسيم المال، كان التعويض غير كاف ولا يتناسب مع الألم الذي لحق بهم، لكنه على الأقل كان يمثل شيئا. ومن شأن حكم صحيح من قبل محكمة الاستئناف الفيدرالية في الحالة المطروحة حاليا في فرجينيا أن يعطي لمجموعة من الضحايا الأخرين الفرصة التي طال انتظارها في الحصول على بعض من العدالة.

 

عمل ممنهج

أظهرت وزارة العدل الأميركية خلال ولاية كل من الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما اهتماما محدودا بمقاضاة المسؤولين عن تلك الفضيحة. ولم يصدر الحكم بالسجن إلا في حق جنود من ذوي الرتب الدنيا على دورهم في هذا الكابوس، بما في ذلك ليندي إنجلند وتشارلز غارنر جونيور اللذين سيتذكرهم كثيرون على أفعالهما، فيما لم تتجاوز عقوبة المسؤولين من أصحاب الرتب الأعلى التوبيخ أو تخفيض الرتبة، كما لم تقدم الحكومة أي عرض للتعويض عن المتضررين.

والرئيس جورج بوش أسرع إلى تصوير عرض الرعب هذا في أبو غريب على أنه من أعمال بضع تفاحات فاسدة في الصندوق. لكن كان واضحاً منذ فترة طويلة أن مشكلة سوء المعاملة هناك، أو في أي مكان آخر، كان عملا شاملاً الجهاز كله.