تجرأ السوريون على الحلم قبل ثلاث سنوات من الآن وبعد أربعين عاما من الاضطهاد في ظل حكم دكتاتوري. ولم يتكلموا من دون خوف فقط بل صرخوا "سوريا تريد الحرية". ومنذ ذلك الحين باتوا يتعرضون للقتل اليومي.

ونتذكر جميعا الرعب الذي أصاب أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. والهجمات الإرهابية التي أنهت حياة نحو ثلاثة آلاف أميركي، وخلفت مخاوف لدى آلاف آخرين ستبقى معهم طوال حياتهم. وشعر الملايين على امتداد العالم بمن فيهم السوريون بآلام الأميركيين. وتذكروا البلاء والمرارة التي أصابت الأشخاص المتجمعين حول مركز التجارة العالمي، الذين ذهلوا من هول الصدمة، على وقع صرخات الرعب والذعر، بينما سحب الأدخنة تحيط بهم.

رائحة الموت

وخلال السنوات الثلاث الماضية، قتل نحو 150 ألف سوري، والحصيلة هذه توازي التعرض لهجمات الحادي عشر من سبتمبر كل 21 يوما. فالسماع بمقتل ناشط تحت التعذيب لم يعد خبرا يستحق الذكر. وعلى الرغم من أن المقيمين خارج سوريا قد يشعرون بالحزن لذلك، إلا أنه وفي نهاية المطاف يظل العالم يتفرج من بعيد.

فهم لا يشتمون رائحة الموت النتنة أو يسمعون صرخات الألم. وقد يكونون مذهولين من صبر السوريين ومقدرتهم على الصمود في ظل هذه الظروف، ولكنهم مع ذلك يقدمون القليل. وربما اعتادوا الأمر تماما كما ألف السوريون فكرة البقاء على قيد الحياة وسط الموت والرعب. وكحال الملايين الآخرين، أجبرتُ على ترك موطني وذكرياتي. وأمضيت السنتين الماضيتين في بيروت دون أدنى فكرة عن موعد عودتي إلى دمشق.

وفي الأيام الأولى من الحرب في سوريا شجبت الحكومات على امتداد العالم قصف المدنيين. وعندما بدى أنه تم استخدام الأسلحة الكيماوية في البلاد، أوشكت الولايات المتحدة على التدخل. واعتبرت عمليات القصف والتدمير قاعدة وحيدة لتسوية المباني التي يسيطر عليها المتمردون بالأرض. وبدا الأفق وكأنها مُحي واستُبدل بفضاء مفتوح وأكوام من الأنقاض.

هل تخافون المتشددين والإرهابيين؟ نعم جميعنا نخافهم. هل تعرفون أن نظام بشار الأسد "العلماني" أخرج عشرات المتشددين من السجن بينما أبقى على السجناء السياسيين والمساندين للثورة؟ هذه الحكومة ذاتها تحتجز وتعتقل مؤسسي المنظمات العلمانية لأنهم يهددون بقاء النظام الذي يؤمن بأن عائلة الأسد هي السلطة الشرعية الوحيدة في سوريا.

وحالما توصلت أميركا وروسيا إلى اتفاق بشأن وضع الأسلحة الكيميائية في سوريا تحت الرقابة الدولية التفت العالم اليها. وأصبحت التراجيديا السورية كأنها صورة فوتوغرافية مؤثرة، تنظر إليها تثير التعاطف دون أن تعرف ماذا يحدث خلف إطار تلك الصورة. ترى صورة عضو من جبهة النصرة المنتسبة إلى القاعدة يقتل رجلا أو طفلا أو امرأة، لكن نظرك لا يتحول إلى ما كان يحدث على بعد أمتار أو عشرات الأميال عن ذلك الحدث.

اللاجئون السوريون

وفي الدول المجاورة لسوريا هناك 2.5 مليون لاجئ مسجل لدى وكالات الأمم المتحدة. وأكثر من 6 ملايين شخص نزحوا عن بيوتهم، لكنهم ظلوا داخل سوريا. وبحسب احصاءات الأمم المتحدة فإن ما يقارب نصف السوريين بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

ولك أن تتخيل لو أن أكثر من 155 مليون أميركي كانوا بحاجة إلى مثل هذه المساعدة فقط لأنهم طالبوا بالكرامة والحرية والديمقراطية. والسوريون ليسوا مجرد أرقام.. هم بشر لديهم أحلام وعائلات ومشاعر.

وفي سهل البقاع اللبناني المحاذي لسوريا التقيتُ لاجئة سورية طويلة ونحيلة في الثلاثينيات من عمرها، ترتدي فستانا فضفاضا. وكانت تحمل على ذراعيها طفلا بالكاد يبلغ عاما واحدا من العمر.

وكان لديها توأم وكانت حاملا بطفلها الثالث عندما ضُربت منطقة الغوطة، وهي إحدى ضواحي دمشق، بالكيماوي. وهربت هذه اللاجئة إلى الحدود اللبنانية واكتشفت أنها أخذت ولدا واحدا فقط من ولديها التوأم. وعندما وصلت إلى البقاع انجبت طفلها الثالث في الخيمة. وسألتها "هل تعرفين أين طفلك الآخر؟" أجابت "لقد فقد".

ولو كانت تلك المرأة تعيش في الولايات المتحدة لكنا رأيناها على الأغلب ضيفة في برنامج "أوبرا" تتحدث عن قصتها المأساوية بينما يغرق الجمهور بدموعهم. وقد يبكي المشاهدون أيضا سواء كانوا يتابعون القصة من الولايات المتحدة أو من فرنسا أو من السودان أو سوريا.

 

الحلم السوري

يخسر الناس في سوريا كل دقيقة أحدا من أحبائهم، أو أطفالهم أو أصدقائهم. لا تنسونا، أنظروا إلى آلامنا، فحياتنا تُعرض على الشاشة لمن يرغب بمتابعتنا. حاولوا قدر استطاعتكم تحمل ذلك، ولكن تذكروا أننا نُقتل وأن بيوتنا تُدمر وأننا نجبر على النزوح والعيش في خيمة. ولا تنسوا أنه على الرغم من أننا جياع إلا أن لدينا كرامة. تذكروا أننا عشنا كل حياتنا كأوراق يستخدمها النظام ويلعب بها في حروبه الصغيرة والكبيرة، محليا ودوليا.

ندرك أنه قد أعيد انتخاب الرئيس أوباما لأسباب محلية، وأن الأميركيين منهكون من السياسات الخارجية. ولكننا نأمل بأن لا يُنسى السوريون. فنحن نحلم بالعيش في ظل مناخ ديمقراطي، وفي اختيار قائدنا بأنفسنا. لدينا حلم بأن لا نتعرض للقتل. هل هذا صعب المنال؟